recent
آخر المشاركات

خطبة بعنـــــوان: النصوص الشرعية بين الفهم الصحيح وسوء التأويل - للدكتور/ محمد حســـن داود (٢٢ شوال ١٤٤٧هـ - 10 أبريل 2026م)

 

خطبة بعنـــــوان:
النصوص الشرعية بين الفهم الصحيح وسوء التأويل
للدكتور/ محمد حســـن داود
(٢٢ شوال ١٤٤٧هـ  - 10 أبريل 2026م)

 العناصـــــــــــر :
- نعمة العقل وأثرها.
- النصوص الشرعية بين الفهم الصحيح وسوء التأويل.
- دعوة القرآن والسنة إلى حماية الفكر من الزيغ والتأويل الفاسد للنصوص.
- خطر التأويل الفاسد للنصوص وآثاره.
- الاحتكار وآثاره وعواقبه الوخيمة.

الموضــــــوع: الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي أحاط بكل شيء علما، له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، نعمه لا تحصى، وآلاؤه ليس لها منتهى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وحبيبه، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد

إن من أعظم النعم التي أنعم الله بها على الإنسان: "نعمة العقـــل"، قال تعالى: (قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ) (الملك: 23)، فالعقل نور؛ به يعمل الإنسان، وينتج، ويتعامل، ويدبر أموره وشئونه، به يدرك الخير من الشر، به يسلك طريق الهدى، ويجتنب موارد الردى، قال تعالى: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (النحل: 78)، فهذا العقل الذي جعله الله (عز وجل) في أعلى الجسد، ما كان ليوضع في هذا المكان الشامخ لولا قيمته ومكانته، إذ إنه محط التكريم، ومناط التكليف، وهو مفتاح لفهم النصوص على وجهها الصحيح، فكم نقرأ في كتاب الله من مثل قوله تعالى: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (البقرة: 242)، وقوله سبحانه: (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (النحل: 12)، وقوله عز وجل: (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الجاثية: 13) وقوله جل وعلا: (قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ) (الأنعام: 98)،ولله در القائل:

وَأَفضَلُ قَسْمِ اللَهِ لِلمَرءِ عَقلُهُ *** فَلَيسَ مِن الخَيراتِ شِيءٌ يُقارِبُه

فمن ضيّع العقل أو أهمله، خسر الفهم والعلم؛ فعن عَبْد الْمَلِكِ بْن عُمَيْرٍ (رضي الله عنه) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلمَ): "ثَلاثٌ مَنْ حُرِمَهُنَّ حُرِمَ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ: عَقْلٌ يُدَارِي بِهِ النَّاسَ، وَحِلْمٌ يَرُدُّ بِهِ السَّفِيهَ، وَوَرَعٌ يَحْجِزُهُ عَنِ الْمَعَاصِي" (العقل وفضله لابن أبي الدنيا). وعَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: "إِنَّمَا كَانَ يُطْلَبُ هَذَا الْعِلْمُ مِمَّنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ خَصْلَتَانِ: الْعَقْلُ وَالنُّسُكُ، فَإِنْ كَانَ نَاسِكًا وَلَمْ يَكُنْ عَاقِلًا، وَإِنْ كَانَ عَاقِلًا وَلَمْ يَكُنْ نَاسِكًا لَمْ تَطْلُبْهُ، فَإِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَنَالُهُ إِلَّا النُّسَّاكُ الْعُقَلَاءُ" (العقل وفضله لابن أبي الدنيا).

إن عقول الناس مع مفاهيم النصوص أصناف مختلفة: فمنهم صِنْف جد واجتهد ودرس وتعلم وسعى بكل جد حتى رزقه الله فهم كلامه، وحُسن الإدراك لمعاني آياته، وفقه ومقاصد أحاديث نبيه سيدنا الحبيب (صلى الله عليه سلمَ) فنهج الوسطية والاعتدال، ونبذ الأفكار الخاطئة المتطرفة، والمفاهيم المغلوطة؛ فهذا على خير عظيم، وما أعظم هذا الدعاء النبوي الشريف من حبيبنا وسيدنا البشير النذير المصطفى (صلى الله عليه وسلمَ) لسيدنا الصحابي الجليل حبر الأمة وترجمان القرآن عبد الله بن عباس (رضي الله عنهما): "اللهم فقِّهه في الدين وعلّمه التأويل )البخاري)، مما يبين لنا جميعا أن الفقه في الدين فهم عميق ونظر ثاقب يُنزِّل النصوص منازلها، بعيدا عن الانحراف والتطرف والتشدد والانغلاق، ويضعها في سياقها الصحيح، إذ يقول صلى الله عليه وسلمَ: " نضَّر الله امْرَأً سمِع مقالَتي فوعاها وحفِظها وبلَّغها". وتأمل كلمة "وعاها" قبل "بلغها".

أما من يتخبط في معاني القرآن والسنة على غير هدى، ويتكلم في كتاب الله وسنة نبينا (صلى الله عليه وسلمَ) بغير بينة ولا علم؛ فذلك الكذب على الله (عز وجل) ورسوله (صلى الله  عليه وسمَ)، والله (سبحانه وتعالى) يقول: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) (هود: 18).

إن من أشد ما خافه النبي (صَلى الله عليه وسلم) على أمته رجل قرأ القرآن، لكن هواه قاده إلى مفاهيم مغلوطة وأفكار خاطئة فوقع في الزلل، وسقط في أوحال التشدد والتنطع، والخروج عن مقاصد الشرع، وحمل القرآن ما لا يحتمله من المعاني، ونسب إليه ما لا يقصده من المفاهيم، وقال في مقاصد السنة ما ليس فيها ولا منها، فعن حذيفة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صَلى الله عليه وسلم) : "إنَّ ما أَتَخوَّفُ عليكم رجلٌ قَرَأ القرآنَ حتى إذا رُئِيَتْ بَهْجتُه عليه، وكان رِدْئًا للإِسلام، غَيَّرَه إلى ما شاء الله، فانْسَلَخَ مِنْه ونَبَذَه وراءَ ظَهْرِه، وسَعَى على جاره بالسَّيف، ورمَاه بالشِّرك"، قال: قلتُ: يا نبيَّ الله، أيُّهما أوْلى بالشِّرك، المَرْمِي أم الرَّامي؟ قال: "بل الرَّامي". 

مع أن الناظر في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة يرى الدعوة إلى حماية الفكر من الزيغ، ونبذ الشبهات والتطرف حفظا للعقول من التأويل الفاسد للنصوص والفهم الخاطئ لها إذ إن تحقيق ذلك يعد سياجاً قوياً وحصناً منيعاً لحماية المجتمع عامة والشباب خاصة من أي فكر هدام، فترى دعوة القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة إلى فهم وتدبر القرآن الكريم والسنة النبوية ؛ قال تعالى: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) (محمد: 24)، وقال سبحانه: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ) (ص: 29)، وغير ذلك من أساليب القرآن التي جاءت لتحفظ الأفكار من الخطأ، والمفاهيم من الغلط، وكذلك غيرها من أحاديث النبي (صلى الله عليه وسلمَ).

كما ترى دعوة الإسلام الإنسان إلى نبذ الهوى وعدم اتباعه لأنه يحول بين الشخص وبين الوصول إلى المعرفة الصحيحة قال تعالى: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ) (المؤمنون:71).

كما ترى النهي عن الغلو في الدين، قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) (البقرة:143) ويقول صَلى الله عليه وسلم: "أيُّها النَّاسُ إيَّاكم والغلوَّ في الدِّينِ فإنَّما أهلكَ من كانَ قبلَكم الغلوُّ في الدِّينِ" (رواه ابن ماجه).

كما ترى النهي عن القول على الله بغير علم وكذلك على سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلمَ)؛ قال تعالى: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (الأنعام:144) ويقول سيدنا الحبيب النبي (صلى الله عليه وسلمَ): "إنَّ كَذِبًا عليَّ ليس ككذبٍ على أحدٍ ، فمن كذب عليَّ مُتعمِّدًا ، فلْيتبوَّأْ مقعدَه من النَّارِ".

وهذا يوضح لنا أمرا في غاية الأهمية، وهو أن العقول التي أجرمت بالتعدي على نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة بتطويعها وتحميلها مالا تحتمله وتغيير معانيها وتزييف المفاهيم لا تنتج وسطية واعتدالا وصلاحا وإصلاحا، وإنما تنتج تطرفا، وفرقة، والعجب كل العجب في ظنهم أنهم يحسنون صنعا، ويحسبون أنهم على خير، ويزعمون أنهم يصلحون، وهم في الحقيقة ما قدموا لأنفسهم ولا للإسلام خيرا؛ فتأمل كيف عميت أبصارهم وصمت آذانهم وقست قلوبهم فحملوا آيات القرآن من المفاهيم المغلوطة والأفكار المتطرفة ما لا تحتمله، وكذلك أحاديث النبي (صلى الله عليه وسلمَ)، وقد قال تعالى: (وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) (النحل: 116- 117) وما أعظم قول الصديق (رضي الله عنه): "أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا أنا قلت في كتاب الله بغير علم" فإن كان الأمر كذلك فكيف بمن يفترون الكذب على الله (تعالى) وعلى رسوله (صَلى الله عليه وسلم)، وينثرون الشبهات والأكاذيب، ويروجون للأفكار المتطرفة، وقد قَالَ الإمام مالك لرجل يريد أن يجادل في الدين: "أما أنا فعلى بيّنة من ربي، فإن كنتَ ضللتَ، فاذهب فارجع إلى الطريق، وإن كنتَ وجدتَ طريق الهداية، فاسلكها ولا تُجادل" يعني: الدين ليس للمِراء والجدال وتحميل النصوص مالا تحتمل من أفكار ومفاهيم مغلوطة، بل إن الدين للفهم الصحيح والعمل الصحيح.

ومن ثم فإن من الآثار السلبية للفهم الخاطئ ولتأويل الفاسد للنصوص:

- الفرقة والاختلاف وظهور الغلو والتطرف: فذاك الفهم والتأويل الفاسد لا شك أن آثاره الخطيرة تمتد إلى المجتمع والأمة؛ إذ يؤدي إلى إثارة الفرقة، وتعميق الاختلاف بين الناس، فحين يُحمَل النص على غير مراده، أو يُفسَّر وفق الأهواء والميول الشخصية، يصبح سببا في اضطراب المفاهيم، وتشتّت الصفوف، وقد أمر الله تعالى بالوحدة والتماسك والترابط فقال: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) (آل عمران: 103). وليس ظهور فرقٍ كـالخوارج إلا نتيجةً مباشرة لسوء فهم النصوص الشرعية والانحراف في تأويلها.

- التكفير بغير حق: فقد يقود التأويل المنحرف صاحبه إلى أن يحكم على مخالفيه بالخروج من الدين، مع أن الخطأ في الحقيقة صادر عن فهمه هو وجهله الذي أرداه هذا المورد السيئ، ولهذا جاء التحذير النبوي الشديد في قوله (صلى الله عليه وسلمَ): "أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا"(متفق عليه).

إننا إذا نظرنا إلى قول عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ (رضي الله عنه) حيث قَالَ: "لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا أَخَذُوا الْعِلْمَ عَنْ أَكَابِرِهِمْ وَعَنْ عُلَمَائِهِمْ وَأُمَنَائِهِمْ، فَإِذَا أَخَذُوهُ مِنْ أَصَاغِرِهِمْ وَشِرَارِهِمْ هَلَكُوا" (رواه الأصبهاني في حليلة الأولياء)، وقد أظهر لنا أن هذا التأويل الفاسد للنصوص يضر بالمجتمع كله وليس بفرد بعينه، ويشهد له ما جاء عن جَابِرٍ (رضي الله عنه) قَالَ: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ، فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ، فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، ثُمَّ احْتَلَمَ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ فَقَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، فَاغْتَسَلَ، فَمَاتَ. فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أُخبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ:" قَتَلُوهُ قَتَلَهُمْ اللَّهُ، أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا؛ فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ، وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا، وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ" (رواه أبو داود).

فما أحوجنا إلى أن نتمسك بقيم ديننا وأمر ربنا وهدى نبينا فنحذر من خطر التأويل الفاسد، ونحقق معاني الوسطية والاعتدال في أسمى صورها، وننبذ الغلو والتشدد من أخلاقنا وسلوكنا، فالله (عز وجل) قال في حق حبيبنا: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) (الانبياء107)، ويقول النبي (صَلى الله عليه وسلم): "إنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ، فَأَوغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ". ويقول: "إنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، ولَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أحَدٌ إلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وقَارِبُوا، وأَبْشِرُوا" (رواه البخاري) .

الخطبة الثانية

إن من مظاهر الصدق والأمانة في التجارة: عدم احتكار السلع: فقد قال (صلى الله عليه وسلمَ): "مَنِ احْتَكَرَ طَعَامًا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَقَدْ بَرِئَ مِنَ اللَّهِ، وَبَرِئَ اللَّهُ مِنْهُ". وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (رضي الله عنه)، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ: "مَنِ احْتَكَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ طَعَامَهُمْ ضَرَبَهُ اللَّهُ بِالْجُذَامِ وَالْإِفْلَاسِ"(رواه ابن ماجه).

فاحتكار السلع سلوك ذميم يحمل في طياته الضرر، والنبي (صلى الله عليه وسلمَ) قال: "لا ضرر ولا ضرار"، كما أنه دليل على محبة الذات وتقديم النفس على  حساب الآخرين، ولقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلمَ): "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ" (رواه البخاري) حب لا أثرة فيه ولا استغلال، ولا غش، ولا تدليس أو احتكار وهذا ما كان عليه الصحابة و السلف الصالح ؛ فعن بعض السلف أنه جهز سفينة حنطة إلى البصرة وكتب إلى وكيله: بع هذا الطعام في يوم تدخل البصرة فلا تؤخره إلى غد، فوافق السعر فيه سعة، فقال له التجار: إن أخرته جمعة ربحت فيه أضعافاً فأخره جمعة فربح فيه أمثاله، وكتب إلى صاحبه بذلك فكتب إليه صاحب الطعام: يا هذا قد كنا قنعنا أن نربح الثلث مع سلامة ديننا وإنك قد خالفت أمرنا وقد جنيت علينا جناية، فإذا أتاك كتابي فخذ المال كله فتصدّق به على فقراء أهل البصرة وليتني أنجو من الاحتكار كفافاً لا عليّ ولا لي. (إحياء علوم الدين للغزالي).

إن للتجارة في الإسلام بعدا لا يقف عند كونها مجرد سعي للكسب والربح، بل هي عامل من عوامل ترابط العلاقات الاجتماعية، ضرورة لاستمرار الحياة الإنسانية، ومن الصحابة والسلف الصالح الذي وجب علينا الاقتداء بهم من اتخذها سببا لكشف الكرب ومعاونة المحتاج، كعثمان بن عفان (رضي الله عنه)، فكيف يصل الأمر إلى الاحتكار، والنبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يقول: "لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ" (رواه مسلم).

إن للصدق والأمانة في التجارة أثر طيب، فعن أبى سعيد (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وسلمَ) قال: "التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ" (رواه الترمذي) فلا يحملن أحدكم حب المال أن يطلبه من غير حله، وقد قال النبي (صَلى الله عليه وسلم) "مَنْ نَبَتَ لَحْمُهُ مِنَ السُّحْتِ، فَالنَّارُ أَوْلَى بِهِ ". ولله در من قال:

المـالُ ينفدُ حِلّـهُ وحرامــــــــــهُ *** يومـا ويبقى بعد ذاكَ آثامُــــــهُ
ليـسَ التقـيُّ بمتّقٍ لإِلـهـــــــــــهِ *** حتى يطيـبَ شرابُهُ وطعامُــهُ
ويطيب ما يجني ويكسبُ أهلــهُ *** ويَطيب من لفظِ الحديثِ كلامُهُ

اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق واصرف عنا سيئها، وارزقنا الحلال وبارك لنا فيه، واحفظ اللهم مصر من كل مكروه وسوء.

=== كتبه ===
محمد حســـــــن داود
إمام وخطيب ومدرس
دكتوراة في الفقه المقارن

لتحميــل الخطبة  word   رابط مباشر  -----      اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة  word   رابط مباشر (نسخة أخرى) اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة     pdf   رابط مباشر     -----      اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة  word   جوجل درايف    ----      اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة  word جوجل درايف (نسخة أخرى) اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة  pdf    جوجل درايف      ----      اضغط هنا 

google-playkhamsatmostaqltradent