recent
آخر المشاركات

خطبة بعنـوان: الإحسان إلى المحتاجين.. بين صدق العبودية وجمال السلوك - للدكتــــور/ محمد حســـــن داود (1 ربيع الأول 1448هـ - 14 أغسطس 2026م)

 

خطبة بعنـوان:
الإحسان إلى المحتاجين.. بين صدق العبودية وجمال السلوك
للدكتــــور/ محمد حســـــن داود
(1 ربيع الأول 1448هـ -  14 أغسطس 2026م)


العناصــــــر:      مقدمة :
- مكانة الإحسان إلى المحتاجين ودعوة الإسلام إليه.
- النبي (صلى الله عليه وسلمَ) أجود بالخير من الريح المرسلة.
- فضائل الإحسان إلى المحتاجين وثمرته.
- (الخطبة الثانية):
إعطاء الصدقة بما لا يجرح شعور المحتاج.

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي أحاط بكل شيء علما، له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، نعمه لا تحصى، وآلاؤه ليس لها منتهى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وحبيبه، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد

فلقد شرع الله (تعالى) لعباده من الطاعات والقربات ما يزكي نفوسهم، ويطهر قلوبهم، ويقربهم من ربهم، ويوصلهم إلى مرضاته، ويكون سببا في دخولهم الجنة، والنجاة من النار، وكان من أجل هذه القربات: الإحسان إلى المحتاجين، والعناية بهم، والسعي في قضاء حوائجهم؛ تزكية للنفوس وتطهيرا لها، وتماما لمكارم الأخلاق، وفلاحا في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الحج 77)، وقال سبحانه: (وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ) (الحديد: 7)، ويقول النبي: (صلى  الله عليه وسلم) "قَالَ اللَّهُ: أَنْفِقْ يَا ابْنَ آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيْكَ". (رواه البخاري)، ويقول صلى الله عليه وسلمَ: "مَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ فَضْلُ زَادٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ".

فلقد مدح القرآن الكريم أهل الإحسان إلى المحتاجين بإحسانهم، قال تعالى: (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُورًا )(الإنسان: 5-9)، كما مدحهم الحبيب النبي (صلى الله عليه وسلمَ) فقال: "أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ"، وقال: " السَّاعي على الأرمَلةِ والمِسكينِ كالمُجاهِدِ في سَبيلِ اللهِ، أو: كالذي يَصومُ النَّهارَ ويقومُ اللَّيلَ".

إن الإحسان إلى المحتاجين من أعظم أبواب الصدقة التي يتقرب بها العبد إلى الله تعالى، كما أنه من علامات الإيمان وحسن الصلة بالرحمن (سبحانه وتعالى)؛ إذ يدفع العبد إيمانه إلى أن يشعر بآلام المحتاجين، ويسعى في تفريج كرباتهم، وقضاء حوائجهم، وبذل ما يستطيع من مال أو طعام أو عون، وقد قال النبي (صَلى الله عليه وسلم): "والصَّلاة نور، والصَّدقة بُرهان، والصَّبر ضياءٌ". فهو الطريق إلى الفوز بمنزلة البر، قال تعالى: (لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ) (آل عمران: 92). وهو وقاية للعبد من النار، كما قال سيد الأبرار (صلى الله عليه وسلمَ): "اتَّقُوا النَّارَ، ثُمَّ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ، ثُمَّ قَالَ: اتَّقُوا النَّارَ، ثُمَّ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ ثَلاَثًا، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ"(رواه البخاري).

ولقد كان سيدنا الحبيب النبي (صلى الله عليه وسلمَ) أجود الناس، كما قال أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (رضي الله عنه): "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَحْسَنَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ " (رواه مسلم). فلقد كان (صَلى الله عليه وسلم) يؤثر غيره على نفسه، فَعَنْ سَهْلٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)، "أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتِ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بِبُرْدَةٍ مَنْسُوجَةٍ فِيهَا حَاشِيَتُهَا، أَتَدْرُونَ مَا الْبُرْدَةُ ؟، قَالُوا: الشَّمْلَةُ، قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: نَسَجْتُهَا بِيَدِي فَجِئْتُ لِأَكْسُوَكَهَا، فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ فَحَسَّنَهَا فُلَانٌ، فَقَالَ: اكْسُنِيهَا مَا أَحْسَنَهَا ؟، قَالَ: الْقَوْمُ مَا أَحْسَنْتَ لَبِسَهَا النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، ثُمَّ سَأَلْتَهُ وَعَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ ، قَالَ : إِنِّي وَاللَّهِ مَا سَأَلْتُهُ لِأَلْبَسَهُ إِنَّمَا سَأَلْتُهُ لِتَكُونَ كَفَنِي؟ قَالَ سَهْلٌ : فَكَانَتْ كَفَنَهُ". ولقد كان الرسول (صَلى الله عليه وسلم) على هذا الحال طيلة حياته كما قال ابْنِ عَبَّاسٍ (رضي الله عنه)، قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ.

إن الناظر في القرآن والسنة يدرك ما في الإحسان إلى المحتاجين من الفضل والأجر ، ففضائله لا تعد وبركاته لا تحد:

- ففيه دواء للأمراض القلبية، كما في قوله صَلى الله عليه وسلم، لمن جاء يشكو إليه قسوة قلبه: "أَتُحِبُّ أَنْ يَلِينَ قَلْبُكَ وَتُدْرِكَ حَاجَتَكَ" قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: "ارْحَمِ الْيَتِيمَ وَامْسَحْ بِرَأْسِهِ وَأَطْعِمْهُ مِنْ طَعَامِكَ يَلِنْ قَلْبُكَ وَتُدْرِكْ حَاجَتَكَ"، بل ودواء للأمراض البدنية كما في قوله صلى الله عليه وسلمَ: "دَاوُوا مَرْضَاكُمْ بِالصَّدَقَةِ، وَحَصِّنُوا أَمْوَالَكُمْ بِالزَّكَاةِ".

- فيه نماء للحسنات والدرجات: فقد قال تعالى: (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (البقرة245)، وقال سبحانه: (مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: 261). ويقول النبي (صَلى الله عليه وسلم) "مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَلِ" (رواه البخاري)، خير عظيم وفضل عميم، لا ينبغي لإنسان أن يسمع به ثم يزهد فيه، ولا ينبغي لصاحب مال مهما قلَّ يبلغه هذا الفضل ثم يمسك ماله عن المحتاجين، فما تنفقوا من خير يوف إليكم .

- فيه تكفير للسيئات، إذ يقول النبي (صلى الله عليه وسلمَ) "والصَّدقةُ تُطْفِئُ الخطيئةَ كما يُطْفِئُ الماءُ النَّارَ". وكل متصدق في ظل صدقته يوم القيامة، فقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ" (رواه ابن حبان).

- كما أنه حصن من النار، فقد قال النبي (صلى الله عليه وسلمَ): " اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ " (رواه البخاري).

- كذلك بالإحسان إلى المحتاجين وإخراج الصدقات تحفظ الأموال من الآفات والهلكات والمفاسد، وتحل فيها البركة والنماء والزيادة بما هو أنفع وأكثر وأطيب، فالله (سبحانه وتعالى) يبارك للعبد فيما يبذله، ويخلف عليه ما أنفقه في سبيله قال تعالى: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُون) (البقرة: 272)، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: " بَيْنا رَجُلٌ بفَلاةٍ مِنَ الأرْضِ، فَسَمِعَ صَوْتًا في سَحابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، فَتَنَحَّى ذلكَ السَّحابُ، فأفْرَغَ ماءَهُ في حَرَّةٍ، فإذا شَرْجَةٌ مِن تِلكَ الشِّراجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذلكَ الماءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ الماءَ، فإذا رَجُلٌ قائِمٌ في حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الماءَ بمِسْحاتِهِ، فقالَ له: يا عَبْدَ اللهِ، ما اسْمُكَ؟ قالَ: فُلانٌ، لِلاِسْمِ الذي سَمِعَ في السَّحابَةِ، فقالَ له: يا عَبْدَ اللهِ، لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي؟ فقالَ: إنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا في السَّحابِ الَّذي هذا ماؤُهُ يقولُ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلانٍ، لاِسْمِكَ، فَما تَصْنَعُ فيها؟ قالَ: أمَّا إذْ قُلْتَ هذا، فإنِّي أنْظُرُ إلى ما يَخْرُجُ مِنْها، فأتَصَدَّقُ بثُلُثِهِ، وآكُلُ أنا وعِيالِي ثُلُثًا، وأَرُدُّ فيها ثُلُثَهُ. (وفي رواية): وَأَجْعَلُ ثُلُثَهُ في المَساكِينِ، والسَّائِلِينَ، وابْنِ السَّبِيلِ " (رواه مسلم).

- وفي الإحسان إلى المحتاجين تفريج الكربات، ودفع الشدائد، (هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ) فكم من محسن إلى محتاج أحسن الله إليه فأذهب همه، وفرج كربه؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): "مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ"(رواه مسلم ). ورضي الله عن ابن عباس إذ يقول: "صاحب المعروف لا يقع فإن وقع وجد متكئاً". ولله در القائل:

من يفعل الخيرَ لا يعدم جوازيه * * * لا يذهبُ العرفُ بين الله والناسِ

- غير ما للإحسان إلى المحتاجين من أثر اجتماعي عظيم؛ ففيه طمأنينة القلب وراحته، فيه طهارة النفس من البخل والشح، فيه سلامة الصدر من الكراهية والحقد، فيه تأليف القلوب، وتأنيس النفوس، وإشاعة التعاطف والتراحم، والنبي (صلى الله عليه وسلمَ) يقول: "مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم، وتَرَاحُمِهِم، وتعاطُفِهِمْ مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى".

ومع كل هذه الفضائل الكبرى والدرجات العظمي، إلا أن بعض الناس قد يقع في شباك الشيطان، فيزن لهم الأمور بميزان المادة، ويصور لهم أن الإحسان إلى المحتاجين خسارة ومغرمًا، والحق غير ذلك كما بيَّن لنا الله (سبحانه وتعالى) وبين لنا رسوله الكريم، فقد قال تعالى: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: 268)، وقال تعالى: (وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (سبأ: 39) ويقول صلى الله عليه وسلمَ: "مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ" (رواه مسلم). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: "قَالَ اللهُ (تَبَارَكَ وَتَعَالَى): يَا ابْنَ آدَمَ أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ" (متفق عليه) ويقول النبي (صَلى الله عليه وسلم): "مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا" (متفق عليه). فطوبى لمن وفقه الله لعمل الصالحات، والتقرب إليه بالصدقات، إذ يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلمَ): "أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، وَلأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخٍ لِي فِي حَاجَةٍ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ (يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ) شَهْرًا".

الخطبة الثانية

إن العبادة حتى تؤتي ثمرتها المرجوة منها ينبغي الالتزام بسبل قبولها وتعظيم أجرها، فيحرص الإنسان عند توصيل الصدقة على حسن إعطائها وتقديمها بما لا يجرح شعور المحتاج؛ فمن محاسن الشريعة الإسلامية أنها راعت في الصدقات جانبَ القلب كما راعت جانبَ المحتاج؛ فدعت إلى أن يكون العطاء خالصًا لله تعالى، بعيدًا عن الرياء، قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) (البينة: ٥). كما صانت في الوقت نفسه كرامة الفقير وحفظت له مكانته وماء وجهه. ولذلك أثنى الله (تعالى) على إخفاء الصدقة، فقال: (وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ) (البقرة: ٢٧١)، ورفع النبي (صلى الله عليه وسلمَ) مكانة من أخفاها؛ فذكره من السبعة الذين يظلهم الله في ظله، فقال: "ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بصَدَقَةٍ فأخْفَاهَا حتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ" (رواه البخاري).

ولم يكن إخفاء الصدقة مجرد صورة من صور العطاء، بل هو قيمة عالية تجمع بين الإخلاص والرحمة؛ فحين يعطي الإنسان دون أن يطلب ثناء أو شهرة، يكون أقرب إلى تنقية قصده لله ، وأبعد عن أن تختلط صدقته بحب الظهور ومدح الناس.

كذلك: أن لا يتبع الإنسان ما قدمه بالمن والأذى، فلا يذكر المحتاج بصدقته، ولا يعيره بفقره وحاجته، ولا يشعره بأنه قد تفضل عليه، فالصدقة إنما شرعت لتجبر خاطر المحتاج وتعينه على ما نزل به، لا لتكسر نفسه أو تهدر كرامته، وقد حذر الله تعالى من إفساد الصدقة بالمن والأذى فقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى) (البقرة: 264). وقال تعالى: (قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى) (البقرة: 263) فليس من الإحسان أن تعطي بيد ثم تؤذي باللسان، ولا من الإحسان أن تقدم المعروف ثم تجعل منه سيفا مسلطا على رقبة من أعنته؛ وإنما كمال الصدقة أن يعطي الإنسان وهو يرجو ما عند الله، ثم ينسى ما قدمه، ويحفظ للمحتاج كرامته، فلا يرى لنفسه فضلا عليه، ولا يجعل حاجته سببا لإذلاله أو الانتقاص منه.

- كذلك: أن تكون الصدقة من جيد المال وأحبه، قال تعالى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (آل عمران:92).

إن من عظيم فضل الله (عز وجل) على العبد أن يوفقه إلى العمل الصالح والله (تعالى) لا يضيع أجر المحسنين، بل يجزي الحسنة بالحسنة، ويضاعف الأجر لمن شاء من عباده، قال تعالى: (مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) (الأنعام: 160).

فطوبى لمن جعل الله على يديه قضاء حوائج الناس، وتفريج كرباتهم، وإدخال السرور على قلوبهم، وبذل المعروف لهم، فإن أبواب الإحسان كثيرة، وكل معروف يقدمه المسلم يرجو به وجه الله هو في الحقيقة رصيد له عند ربه، وثمرة من ثمار التوفيق التي تستحق الحمد والشكر.

فما أعظم أن يكون العبد سببا في نفع غيره من الناس، يسعى في حاجتهم، ويعين ضعيفهم، ويواسي محتاجهم، ويقدم الخير ابتغاء مرضاة الله، فعَنْ سَهْلِ بن سَعْدٍ، عن النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، قَالَ "عِنْدَ اللَّهِ خَزَائِنُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، مَفَاتِيحُهَا الرِّجَالُ، فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَهُ مِفْتَاحًا لِلْخَيْرِ، وَمِغْلاقًا لِلشَّرِّ، وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَهُ مِفْتَاحًا لِلشَّرِّ، وَمِغْلاقًا لِلْخَيْرِ" (رواه الطبراني وابن ماجه).

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبَهُم * * * فطالما استعبدَ الإنسانَ إحسانُ
وكُنْ على الدّهرِ مِعْوَانًا لذي أملٍ * * * يرجو نَداكَ فإنّ الحُرَّ مِعـــْوانُ
واشْدُدْ يديك بحبلِ اللهِ معتصمًـــا * * * فأنّه الرّكنُ إنْ خانتك أركــــانُ
من كان للخير منّاعًا فليس لــــه * * * على الحقيقة إخوانٌ وأخْــدانُ
من جاد بالمال مالَ النّاسُ قاطبةً * * * إليه والمالُ للإنسان فتّــــــانُ .

اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق واصرف عنا سيئها
واحفظ اللهم مصر من كل مكروه وسوء

محمد حســــــــن داود
إمام مسجد سيدي إبراهيم الدسوقي (رضي الله عنه)
دكتوراة في الفقه المقارن

لتحميــل الخطبة  word   رابط مباشر  -----      اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة  word   رابط مباشر (نسخة أخرى) اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة     pdf   رابط مباشر     -----      اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة  word   جوجل درايف    ----      اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة  word جوجل درايف (نسخة أخرى) اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة  pdf    جوجل درايف      ----      اضغط هنا 

google-playkhamsatmostaqltradent