خطبة بعنـــــوان:
نبي الرحمة ( صلى الله عليه وسلمَ )
للدكتــــــور / محمد حســــــن داود
(١٥ ربيع الأول ١٤٤٨هـ - ٢٨ أغسطس ٢٠٢٦م)
العناصـــــر :
الرحمة في حياة النبي (صلى الله عليه وسلمَ).
صور من رحمة النبي (
صلى الله عليه وسلمَ) بأمته .
صور من رحمة النبي ( صلى الله عليه وسلمَ) بأهله .
صور من رحمة النبي (صلى الله عليه وسلمَ) بالمذنب والعدو.
صور من رحمة النبي (
صلى الله عليه وسلمَ) بالحيوان .
أثر الرحمة على الفرد
والمجتمع .
الموضـــــوع : الحمد لله رب العالمين، الحمد لله
الذي أحاط بكل شيء علما، له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت
الثرى، نعمه لا تحصى، وآلاؤه ليس لها منتهى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا
شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وحبيبه، اللهم
صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين،
وبعد
لقد جمع الله سبحانه وتعالى للحبيب
المصطفى صلى الله عليه وسلم صفات الجمال والكمال البشري،
فتألقت روحه الطاهرة بعظيم الشمائل والخصال، وكريم الصفات والأفعال، حتى أبهرت أخلاقه
القريب والبعيد، وشملت رحمته الغريب والصديق، ولقد صور لنا القرآن الكريم هذا جليا
واضحا إذ يقول الحق سبحانه وتعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)
(الأنبياء: 107) ويقول جل وعلا: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ
عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) (التوبة:
128) ويقول حبيبنا، صلى الله عليه وسلم، عن نفسه: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا
أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ " (مستدرك الحاكم) فكان صلى الله عليه وسلم أكمل الناس
خَلقا وخُلقا، قال تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: 4) وأعظمهم إنسانية
ورحمة، يصل من قطعه، ويعطى من حرمه، ويعفو عمن ظلمه، ويحسن إلى من أساء إليه، تقول
أم المؤمنين خديجة (رضي الله عنها) في حقه: "إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ
الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ
الْحَقِّ "(مستدرك الحاكم).
فلقد بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم
رحيما رفيقا حريصا علينا، يسجد يوم القيامة تحت عرش الرحمن، فلا يرفع رأسه حتى يقال
له" يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ وَسَلْ تُعْطَهْ وَاشْفَعْ
تُشَفَّعْ" فيقول حبيبنا صلى الله عليه وسلم: "يا رب أُمَّتِى أُمَّتِى"
.
الرحمةُ المهداةُ جاء مبشِّرا *** ولأفضلِ
الأديان قــــــام فأنذرا
ولأكرمِ
الأخلاق جاء مُتمِّمًا *** يدعو لأحسنِها ويمحو المنكرا
صلى
عليه اللهُ في ملكوته *** ما قـــــام عبدٌ في الصلاة وكبّرا
ولقد تجلت عظمة رحمته، صلى الله عليه وسلم
بأمته في الكثير من المواقف، إذ رق قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم لجميع أبناء أمته
حتى بكى خوفا عليهم أن يصيبهم من الله عذاب، فعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ (رضيَ اللهُ عنهُ)
قالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم): "اقْرَأْ عَلَيَّ
الْقُرْآنَ"، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلْيكَ أُنْزِلَ؟!
قَالَ: "إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي" فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ
سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى جِئْتُ إِلى هذهِ الآيَة (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ
أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هؤُلاءِ شَهِيدَاً) (النساء: 41) قالَ: "حَسْبُكَ
الآنَ "فالْتَفَتُ إِلَيْهِ، فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَان" (متفقٌ عليه)
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) تَلَا قَوْلَ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلّ)َ في إِبْرَاهِيمَ: (رَبِّ
إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي)
(إبراهيم: 36)، وَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام: ( إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ
عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (المائدة:
118)، فَرَفَعَ يَدَيْهِ ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ ، أُمَّتِي، أُمَّتِي، وَبَكَى، فَقَالَ
اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا جِبْرِيلُ ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ
، فَسَلْهُ مَا يُبْكِيكَ ؟ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَسَأَلَهُ،
فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ، وَهُوَ
أَعْلَمُ، فَقَالَ اللَّهُ: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ، فَقُلْ: إِنَّا
سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوؤُكَ " (رواه مسلم) بل بلغت رحمته صلى الله
عليه أن يؤثر أمته على نفسه بدعوته المستجابة شفاعة لهم ورحمة بهم، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لِكُلِّ نَبِيٍّ
دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ؛ وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ
دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ
اللَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا"(متفق عليه)
ولقد بلغت رحمة الرسول صلى الله عليه وسلم،
بأمته حدا لا يتخيله عقل، إذ كان يترك العمل وهو يحبه، خشية أن يفرض عليهم فيشق عليهم
أداؤه، إذ تقول أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها) " إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ
(صلى الله عليه وسلم) لَيَدَعُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ خَشْيَةَ
أَنْ يَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ" (البخاري ومسلم) فانظر في
سنته وسيرته تراه ينقطع عن الخروج إلى صلاة التراويح جماعة في رمضان، خشيةَ أن تفرض،
وتأخر في الردِّ على من سأل عن تكرار الحج في كل عام خشية أن يفرض بهذه الصورة، ولما
فرضت الصلاة، ظل المصطفى (صَلى الله عليه وسلم) يسأل الله التخفيف، رحمة بأمته (صلى
الله عليه وسلمَ) حتى كانت خمس في العمل و خمسين في الأجر.
وفي رحمته بالآباء
والأمهات والأطفال ترى أروع الأمثلة وأعظمها، فلقد كان نبي الرحمة (صلى الله عليه وسلم)
يدخل في الصلاة ينوي أن يطيل فيها، فإذا به يسمع بكاء الصبي فيتجوز فيها شفقة بالصغير
من جانب ورفقا بأمه من آخر، إذ يقول صلى الله عليه وسلم: "إِنِّي لأَدْخُلُ فِي
الصَّلاَةِ وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالَتَهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ
فِي صَلاَتِي مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِه" (رواه
البخاري) وصدق سيدنا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه إذ يقول: "مَا رَأَيْتُ
أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهّ عليه وسلم"
مما يشير لنا جميعا إلى أن الرحمة في حياتنا يجب أن تشمل الصغير والكبير، فقد قال صلى
الله عليه وسلم " لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا ويُوَقِّرْ كَبِيرَنَا
"(رواه أبو داود والترمذي) وعنْ أَنَسٍ "أَنَّ امْرَأَةً كَانَ فِي عَقْلِهَا
شَيْءٌ، فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً،" فَقَالَ
يَا أُمَّ فُلَانٍ، انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ، حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ"
فَخَلَا مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا "( رواه
مسلم )
وما أعظم
رحمته صلى الله عليه وسلمَ إذ يوصي بالنساء خيرا، زوجة كانت ، فقد قال "وَاسْتَوْصُوا
بِالنِّسَاءِ خَيْرًا" (رواه البخاري) أو بنتا كانت ، فقد قال" مَنْ كَانَتْ
لَهُ أُنْثَى فَلَمْ يَئِدْهَا وَلَمْ يُهِنْهَا وَلَمْ يُؤْثِرْ وَلَدَهُ عَلَيْهَا
- يَعْنِي الذُّكُورَ - أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ "(رواه أبو داود)
ولعلنا نأخذ من رحمته لنقتدي؛ كيف كان النبي صَلى الله عليه وسلم مع زوجاته في
بيته وكيف كانت معاملته لهن وكيف كانت معاملته مع أولاده؟ تقول أم المؤمنين عائشة
رضي الله عنها، عن حال النبي صَلى الله عليه وسلم في بيته " كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى
اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَخصِفُ نَعلَهُ، وَيَخِيطُ ثَوبَهُ، وَيَعمَلُ في بَيتِهِ
كَمَا يَعمَلُ أَحَدُكُم في بَيتِهِ" (رواه ابن حبان وغيره) وعن معاملته مع زوجاته، فعَنِ النُّعْمَان
بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: جَاءَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَسَمِعَ عَائِشَةَ وَهِيَ رَافِعَةٌ صَوْتَهَا عَلَى رَسُولِ
اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فَأَذِنَ لَهُ فَدَخَلَ، فَقَالَ: يَا
ابْنَةَ أُمِّ رُومَانَ وَتَنَاوَلَهَا أَتَرْفَعِينَ صَوْتَكِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَحَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، قَالَ: فَلَمَّا خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ جَعَلَ النَّبِيُّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَهَا يَتَرَضَّاهَا: "أَلَا تَرَيْنَ
أَنِّي قَدْ حُلْتُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَكِ" قَالَ: ثُمَّ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ
فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ يُضَاحِكُهَا، قَالَ: فَأَذِنَ لَهُ فَدَخَلَ، فَقَالَ
لَهُ أَبُو بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَشْرِكَانِي فِي سِلْمِكُمَا كَمَا أَشْرَكْتُمَانِي
فِي حَرْبِكُمَا " (رواه أحمد) وكلما دخلت
عليه ابنته فاطمة رضي الله عنها أخذ بيدها، وقبلها، وأجلسها في مجلسه. و لما قَبَّل الحسن بن علي رضي الله عنه
فإذ بالأقرع بن حابس، يقول: إن لي عشرة من الولد، ما قبلت منهم أحدا، فينظر إليه النبي
صلى الله عليه وسلم ويقول" مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ " (رواه البخاري)
ولم تقف هذه الرحمة عند هذا الحد بل
تدبر ترى هذه الرحمة تصل إلى المذنب فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَدِمَ
الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ وَأَصْحَابُهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلى
الله عليه وسلمَ)َ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ دَوْسًا قَدْ عَصَتْ
وَأَبَتْ فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهَا، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ: هَلَكَتْ
دَوْسٌ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلمَ)َ يَدَيْهِ، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ
اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ" (رواه البخاري)
بل شملت رحمته حتى أعداءه فلما دخل مكة
فاتحًا، وقف أمام صناديد قريش الذين آذوه وأخرجوه وقاتلوه، وهم ينتظرون حكمه فيهم
خاضعين منكسرين، فلم ينطق بكلمة انتقام، بل قال قولته الخالدة: "اذْهَبُوا
فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ" (رواه البيهقي).
إن هذه الرحمة النبوية المنقطعة النظير
لم تقف عند حدود البشر، بل امتدت لتشمل الحيوان، فعن ابن مسعود قال: كنّا مع رسول الله
صلى الله عليه وسلم في سفر، فانطلق لحاجتِه، فرأينا حُمَّرَةً معها فرخان، فأخذنا فرخيها،
فجاءت الحمَّرةُ فجعلت تفرِّش، فجاء صلى الله عليه وسلم فقال: " من فجع هذه بولدِها
؟ ردُّوا ولدَها إليها " وعن عبد الله بن جعفر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله
عليه وسلم دخل حائطاً لرجل من الأنصار، فإذا
فيه جمل فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم حنّ وذرفت عيناه فأتاه صلى الله عليه وسلم
فسكت، فقال صلى الله عليه وسلم : "من رب هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟ " فجاء
فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله، فقال له : " أَفَلَا تَتَّقِي اللَّهَ
فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ
أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ (رواه أحمد وأبو داود)( تُدْئِبُهُ، اى تكرهه وتتعبه)
وها هو صلى الله عليه وسلم يوصي بالرفق بالحيوان والإحسان إليه حتى عند ذبحه فيقول:
"إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا
القِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ
شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ" (رواه الترمذي) ولا يزال صلى الله عليه وسلم
يوصي بالرحمة بالحيوان حتى قال: "عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا
حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا سَقَتْهَا
إِذْ حَبَسَتْهَا، وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ"(
متفق عليه)، وفي المقابل، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ
النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ
كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ
فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لَهَا بِهِ "(متفق عليه)
ولم تقف رحمته صلى الله عليه وسلم عند كل
ما فيه روح بل حتى الجماد، نال من رحمته إذ يتعاطف مع جبل أُحُد، فيقول صلى الله عليه
وسلم وهو يشير إليه "هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا
وَنُحِبُّهُ".
هذه صور من حياة نبينا صلى الله عليه
وسلمَ، تجسد رحمته، فلنحمل للعالمين رحمته، إذ إن الأخلاق المثلى عماد الأمم وقوام
الشعوب، والأمم باقية ما بقيت أخلاقها، وتطيب الحياة بين أبنائها وتصلح وتزدهر بالتراحم
والتعاطف، لذلك ولغيره الكثير ذكرت صفة الرحمة بمشتقاتها في القرآن الكريم أكثر من
ثلاثمائة مرة، وإن من هذا يتضح للجميع أن قيم الرحمة والإنسانية، من قيم ديننا وأخلاق
نبينا وهى إلى الغفران نهجنا وإلى الجنة طريقنا فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الرَّاحِمُونَ
يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ"
وكما أنها مفتاح قلوب الناس؛ إذ يقول الله جل وعلا: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ
لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) (آل
عمران: 159) هي أيضا مفتاح لباب رحمة الله تعالى، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو
بْنِ الْعَاصِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ
وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: " ارْحَمُوا تُرْحَمُوا ، وَاغْفِرُوا يَغْفِرْ اللَّهُ
لَكُمْ " وقال أيضا " لَا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ
" (متفق عليه) .
لتحميــل الخطبة word رابط مباشر ----- اضغط هنا
لتحميــل الخطبة word رابط مباشر (نسخة أخرى) اضغط هنا
لتحميــل الخطبة word جوجل درايف ----- اضغط هنا
لتحميــل الخطبة word جوجل درايف (نسخة أخرى) اضغط هنا
لتحميــل الخطبة pdf جوجل درايف ----- اضغط هنا
