حسن الظن بالله (عز وجل)
للشيخ
/ محمد حســــن داود
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول
الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد
لقد جاءت الشريعة الإسلامية تدعونا إلى
أحسن القيم، وأعظم الخصال، ومنها: "حسن الظن بالله (سبحانه وتعالى)"فعن أبي
هريرة (رضي الله عنه)، أنَّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: "إنّ حُسْنَ
الظَّنِّ بِالله مِنْ حُسْنِ عِبادَةِ الله" (رواه أبو داود والترمذي)، وعن عبد
الله بن مسعود (رضي الله عنه) أنه قال:" وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ مَا أُعْطِيَ
عَبْدٌ مُؤْمِنٌ شَيْئًا خَيْرًا مِنْ حُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) ،
وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَا يُحْسِنُ عَبْدٌ بِاللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) الظَّنَّ
إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ (عَزَّ وَجَلَّ) ظَنُّهُ ؛ ذَلِكَ بِأَنَّ الْخَيْرَ فِي
يَدِهِ" .
فلمقام هذه العبادة حثنا عليها الشرع ،
ودعانا إليها، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ )، قَالَ : " إِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلا يَقُولُ : أَنَا عِنْدَ ظَنِّ
عَبْدِي بِي ، إِنْ ظَنَّ خَيْرًا فَلَهُ ، وَإِنْ ظَنَّ شَرًّا فَلَهُ " (رواه
ابن حبان) .
والمؤمن دائما ما يحسن الظن بالله، إذا
صام أن يكتب الله له الأجر، وقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم): "مَن صامَ رَمَضانَ
إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ"(رواه البخاري ومسلم)
وإذا قام أن يكتب له الأجر والفوز، والرسول
(صلى الله عليه وسلم) يقول: "مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ
لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ".
وإذا تعهد ليلة القدر في العشر الأواخر
بالطاعات والقربات، أن يبلغه الله فضلها وعظيم أجرها، وقد قال الله تعالى (لَيْلَةُ
الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ) (القدر 3) ويقول النبي (صلى الله عليه وسلم):"
مَن قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمَانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ"
وإذا دعا الله في هذا الشهر الكريم، أحسن
الظن به أن يستجيب له، فقد قال تعالى ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي
قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ
بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) (البقرة 186) ويقول صلى الله عليه وسلم:" ثلاثُ
دَعواتٍ لا تُرَدُّ: دعوةُ الوالِدِ لِولدِهِ، ودعوةُ الصائِمِ، ودعوةُ المسافِرِ
" (رواه البيهقي).
وإذا قرأ القرآن أن يشفع له، فقد قال صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ
بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ،
فَشَفِّعْنِي فِيهِ "، قَالَ: " فَيُشَفَّعَانِ " (رواه أحمد)،
وإذا تصدق أو فطر صائما أن ينال مثل أجره،
فقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم): "مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ
أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا" (رواه
الترمذي)
وإذا أَعْسَرَ أو ضاق به أمر، أن يرزقه
الله اليسر والفرج؛ فقد قال تعالى ( فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ
يُسْراً) (الشرح5-6).
وإذا سعى ، أحسن الظن بالله أن يرزقه الحلال؛
قال تعالى: (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ
مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) (هود6)
وإذا أذنب ذنبا فتاب وندم أحسن الظن بالله أن يقبل
توبته قال تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا
مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ
الرَّحِيمُ )الزمر53)
وإذا مرض؛ أن يرزقه الأجر والعافية قال
تعالى(الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ
* وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ )(الشعراء78-80) وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها
قَالَتْ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ
" مَا مِنْ شَيْءٍ يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ حَتَّى الشَّوْكَةِ تُصِيبُهُ إِلَّا
كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً أَوْ حُطَّتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ
" (رواه مسلم)
حتى في آخر لحظاته في الدنيا لا ينبغي للمؤمن إلا
أن يحسن الظن بالله، فعن جابر قال : سمعت رسول
الله (صلى الله عليه وسلم) قبل وفاته بثلاث يقول" لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا
وَهُوَ يُحْسِنُ بِاللهِ الظَّنَّ" ، : (رواه مسلم )، وعَنْ حَيَّانِ أَبي النَّضْرِ،
قَالَ" دَخَلْتُ مَعَ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ عَلَى أَبِي الْأَسْوَدِ الْجُرَشِيِّ
فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَجَلَسَ قَالَ: فَأَخَذَ
أَبُو الْأَسْوَدِ يَمِينَ وَاثِلَةَ فَمَسَحَ بِهَا عَلَى عَيْنَيْهِ، وَوَجْهِهِ
لِبَيْعَتِهِ بِهَا رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، فَقَالَ لَهُ
وَاثِلَةُ : وَاحِدَةٌ، أَسْأَلُكَ عَنْهَا؟ قَالَ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: كَيْفَ ظَنُّكَ
بِرَبِّكَ ؟ قَالَ : فَقَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ : وَأَشَارَ بِرَأْسِهِ ، أَيْ حَسَنٌ
قَالَ وَاثِلَةُ: أَبْشِرْ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)
يَقُولُ " قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي ، فَلْيَظُنَّ
بِي مَا شَاءَ " (رواه احمد)
ولقد ضرب لنا الأنبياء عليهم (الصلاة والسلام)
أروع الأمثلة في حسن الظن بالله، امرأ يدعونا إلى أن نمتثل هذه القيمة النبيلة، فهذا
نبي الله زكريا عليه السلام، مع انه بلغ من الكبر عتيا إلا انه لم يزل يحسن الظن بالله
أن يرزقه الولد، فتوجه إلى الله بالدعاء (قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي
وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي
خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ
وَلِيًّا ) (مريم 4-5) فكانت الاستجابة الربانية ( يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ
بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا ) (مريم 7)
وهذا سيدنا أيوب عليه السلام، رغم ما كان
به من مرض، إلا أنه لم يزل يحسن الظن بالله أن يهبه الشفاء، قال تعالى (وَأَيُّوبَ
إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا
لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ
رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ) (الأنبياء 83 /84)
وهذا سيدنا يونس عليه السلام، وهو في ظلمات
الليل والبحر وبطن الحوت، لم يزل يحسن الظن بالله أن يهبه النجاة ؛ قال تعالى (وَذَا
النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي
الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
* فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ)(الأنبياء
87 /88 )
ومع هذا إلا أن حسن الظن بالله يقتضى العمل
والسعي والأخذ بالأسباب لبلوغ الآمال، قال الحسن البصري (رحمه الله) :" إنَّ المؤمن
أحسن الظن بالله فأحسن العمل". فان الآمال الصادقة هي المقرونة بالعمل والأخذ
بأسباب التقدم والرقى، وهذا مما دعانا إليه النبي (صلى الله عليه وسلم) وحثنا عليه
في كل وقت وحين، فقال: " لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ
لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُوا خِمَاصاً وَتَرُوْحُ بِطَاناً
" (رواه الترمذي )فقد حثنا النبي (صلى الله عليه و سلم ) إلى الأخذ بالأسباب حتى
في أقل الأشياء، فعن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ، قال: قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ
, أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ (يعنى ناقته ) وكأن هذا
الرجل كان يظن أن الأخذ بالأسباب ينافي التوكل على الله تعالى، فوجهه النبي (صلى الله
عليه وسلم) إلى أن الأخذ بالأسباب أمر مطلوب، هو من التوكل على الله (سبحانه وتعالى)،
فقال له صلى الله عليه وسلم " اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ ". وهذا ما كان عليه
الصحابة الأخيار فلقد كان سيدنا عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) يقول : " لا يقعدن
أحدكم عن طلب الرزق ويقول : " اللهم ارزقني وقد علمت أن السماء لا تمطر ذهبًا
ولا فضة " .
=== كتبه ===
محمد
حســــــــــن داود
إمام
وخطيب ومـــــــــــدرس
ماجستير
في الدراسات الإسلامية
للتحميــل word رابط مباشر ----- اضغط هنا
للتحميــل word رابط مباشر (نسخة أخرى) اضغط هنا
للتحميــل word جوجل درايف ----- اضغط هنا
لتحميــل word جوجل درايف (نسخة أخرى) اضغط هنا
للتحميــل pdf جوجل درايف ---- اضغط هنا