خطبة بعنــــوان:
آيات
الاعتبار في القرآن الكريم
للشيخ /
محمد حســــن داود
(6 صفر 1444هـ - 2 سبتمبر 2022م)
العناصـــــر : مقدمة.
- دعوة القرآن إلى التفكر والتدبر والاعتبار.
- من صور الاعتبار في القرآن الكريم.
- أثر التفكر والتأمل والاعتبار.
- دعوة إلى الاعتبار.
الموضــــــوع:
الحمد لله رب العالمين، القائل في كتابه العزيز: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾
(الحشر2)، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
(الرعد3)، وقال عز وجل: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (الرعد4)، وأشهد أن لا
إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، القائل
في حديثه الشريف: " لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَةٌ، وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ
يَتَفَكَّرْ فِيهَا (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ
وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (آل عمران 190). اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، ومن
تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد
إن أوفى الناس عقلاً أكثرهم اعتبارا،
قال تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (الحشر2)، وقال سبحانه (إِنَّ
فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَىٰ) (طه54﴾، فالحياة مدرسة للاعتبار، يفوز فيها
من أخذ العظة من النتائج والعواقب؛ ومن ذلك ترى في القرآن الكريم حينما يذكر الله
(سبحانه وتعالى) مواضع العبر والعظات كثيرا ما يختم ذلك ببيان أن المستفيد من تلك الآيات
البينات هم أولو الألباب الذين أناروها بالتفكر والتدبر والتأمل والاعتبار، قال
تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الرعد3)، وقال عز
وجل: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (الرعد4)، وقال سبحانه ﴿إِنَّ
فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ (الحجر75)، ومما دعانا القرآن الى
التفكر فيه والاعتبار به:
- تعاقب الليل والنهار: قال تعالى (إِنَّ
فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآياتٍ لأولِي
الأَلْبَابِ) (آل عمران190)، وقال: (إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا
خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ والأرض لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ) (يونس6) وقال:
( يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأولِي الأبْصَارِ)
(النور44)، فالليل والنهار يبليان كل جديد، ويقرِّبان كل بعيد، ويطويان الأعمار، ويشيِّبان
الصغير، ويفنيان الكبير، ولله در من قال:
والليل فاعلم والنهار كلاهما *** أَنْفَاسُنا
فيها تُعَدُّ وَتُحْسَبُ
يقول عمر بن عبد العزيز: "إِنَّ اللَّيْلَ
وَالنَّهَارَ يَعْمَلَانِ فِيكَ، فَاعْمَلْ فِيهِمَا". أي إن تعاقب الليل والنهار،
ومرور الأيام يعمل فيك ضعفا في بدنك، وانحناء في ظهرك، وشيبا في رأسك، وضعفا في قوتك،
فاعمل أنت الخير واغتنم أيامك؛ ورضي الله عن عبد الله بن مسعود، إذ يقول: "ما
ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي"، ولله در
القائل:
دَقّاتُ قَلبِ المَرءِ قائِلَةٌ لَهُ
*** إِنَّ الحَياةَ دَقائِقٌ وَثَواني
- المنافع التي أودعها الله في الأنعام: قال تعالى: (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً
نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا
تَأْكُلُونَ) (المؤمنون 21) قال
الطبري: "تعتبرون بها، فتعرفون بها أيادي الله عندكم, وقدرته على ما يشاء، وأنه
الذي لا يمتنع عليه شيء أراده ولا يعجزه شيء شاءه" (تفسير الطبري)
- تغير الأحوال: فالدنيا متغيرة الأحوال، لا تستقيم لأحد على حال؛
شباب وكبر، قوة وضعف، ضيق وفرج، فقر وغنى، عافية وبلاء، قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ
قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ
وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ) (الروم 54)
- مصائر الأمم السابقة:
قال تعالى: (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ
وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ
فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)
(غافر 82) فانظر كيف كان مآل فرعون الذي قال أنا ربكم الأعلى؛ قال تعالى: (فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ
وَالْأُولَىٰ * إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ) (النازعات 25،26)،
وانظر إلى أين ذهب قوم عاد
وقد قالوا من أشد منا قوة، قال تعالى ( فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ
بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ
الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ
* فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ
عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَىٰ وَهُمْ
لَا يُنصَرُونَ ) (فصلت 15، 16) وانظر كيف أرسلَ الله على قومِ ثمودَ الصيحةَ حتى قَطّعَتْ
قلوبَهم في أجوافِهم، وماتوا عن آخرهم، قال تعالى: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا
الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا
كَانُوا يَكْسِبُونَ) (فصلت 17) وانظر
كيف أمسى قوم لوط بانحرافهم العقدي والسلوكي، قال تعالى: (وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
* إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ
* ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ * وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ
* وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ) (الصافات 133- 138)
- عواقب جحود النعم: ومن ذلك ما كان من أمر أصحاب الجنة، قال تعالى: (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ
الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلَا يَسْتَثْنُونَ *
فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ
* فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ * أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ
* فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم
مِّسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ * فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا
لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ
لَوْلَا تُسَبِّحُونَ * قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَأَقْبَلَ
بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ
* عَسَى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ
* كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ
(القلم17-33) وتدبر معي ما كان من أمر قارون، قال تعالى: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ
الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ
مِنَ الْمُنتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ
وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا
أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ)
(القصص 81،82)
- الاعتبار بجزاء الطائعين وعواقب
العاصين: قال تعالى (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ
جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ
الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ
نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ) (النساء13، 14).
إن تأمُّل آيات الاعتبار في القرآن
الكريم وتدبرها وإمعان النظر وإجالة الفكر فيها من أعظم ما يعود على الإنسان بالنفع
في تقوية إيمانه وتثبيته، إذ يرى فيها شيئا من قدرة الخالق سبحانه وحكمته، فيزداد حبه
وتعظيمه وإجلاله له، وتزداد طاعته وانقياده وخضوعه له، وهذه من أعظم ثمرات هذا النظر؛
فتدبروا آيات ربكم لتصلوا بها إلى اليقين، وانظروا إلى ما فيها من الحكم والاتقان ليزداد
الإيمان.
- الحياء من الله (عز وجل): حيث يستشعر
الانسان عظمة من يعصيه ومدى قدرته سبحانه على عبده ومع ذلك يغمره بالنعم والعطايا؛
وما أعظم موقف إبراهيم بن أدهم مع هذا الرجل، الذي جاءه فقال: "إني مسرف على نفسي
فاعرض عليّ ما يكون لها زاجرًا" فدفعه إبراهيم بن أدهم إلى الاعتبار بحاله،
فكان مما قال له: "أفيحسن أن تأكل رزقه وتسكن بلاده وتعصيه وهو يراك ويرى ما تجاهره
به".
- الخوف من الله (عز وجل) والخوف منه
سبحانه عبادة، قال تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم
بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ )(الملك12) لها أجر كبير وفضل عظيم؛ قال سبحانه: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَام رَبّه
جَنَّتَانِ ) (الرحمن 46) وقال جل وعلا (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى
النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) (النازعات 40/41) وعَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَرْوِي عَنْ
رَبِّهِ جَلَّ وَعَلا ، قَالَ : "وَعِزَّتِي لا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوْفَيْنِ
وَأَمْنَيْنِ ، إِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَإِذَا
أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أَخَفْتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " (صحيح ابن حبان)
.
- حسن الظن بالله: فهو سبحانه يكشف
الكرب، ويجيب المضطر، ويغفر الذنب، ويجيب الدعاء، ويعطي السائل، ويغيث الملهوف،
ويشفي السقيم؛ فهذا يعقوب (عليه السلام), يفارقه أحب أولاده إليه, ثم يتبعه ابنه الثاني
بعد سنين, ثم تبيض عيناه من كثرة البكاء لفقدهما، شدة بعد شدة، فكان الفرح أن جمعه
الله بولديه ورد إليه بصره، قال تعالى (فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى
وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ
مَا لَا تَعْلَمُونَ) (يوسف 96)، وهذا يونس (عليه السلام) من السفينة بين الناس، إلى
بحر متلاطم الأمواج, فالتقمه الحوت, فإذا هو في ظلمات ثلاث (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ
أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) (الأنبياء
87), فكان الفرج والسرور، إذ يقول الله تعالى (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ
مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) (الأنبياء 88) وهذا أيوب (عليه السلام)
يمكث في المرض سنين حتى اشتد كربه وعظم عسره، فكان اليسر من الله تعالى متتابعا بعافية
وأهل ومال؛ قال تعالى (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ
أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ)
(الأنبياء:84) وهذا زكريا (عليه السلام), طال عيشه ولم يرزق بالولد, كبر سنه, ورَقّ
عظمه, وهَزُل لحمه, واشتعل رأسه شيبًا, فدعا الله، فانظر إجابة دعائه, قال تعالى (قَالَ
رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتْهُ
الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ
بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ
الصَّالِحِينَ) (آل عمران 38).
إن التدبر والاعتبار والنظر من أعمال القلوب
العظيمة، وهو مفتاح الأنوار، فقد قال تعالى (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (آل عمران
190)، وقد ورد أن بلالا جاء إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) يُؤْذِنُهُ بالصلاة، فرآه
يبكي، فقال يا رسول الله لم تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم وما تأخر قال " أَفَلَا
أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا، لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَةٌ، وَيْلٌ لِمَنْ
قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ
...) الآية.
وكما مدح القرآن من يعملون عقولهم ويتدبرون
الخلق، عاب على من يعطلون عقولهم عن وظائفها فلم يكن لها من التفكر والتدبر والاعتبار
نصيب، قال تعالى: (وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ
عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ) (يوسف105)، وقال: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ
فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا
لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج
46)، فما أحوجنا إلى أن نعتبر، فقد قال تعالى (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)
(الحشر2).
فاللهم اجعلنا من المعتبرين بآياتك الواصلين
بها إلى مرضاتك.
واحفظ مصر من كل مكروه وسوء
=== كتبه ===
محمد حســــــــــن داود
إمام وخطيب ومـــــــــــدرس
باحث دكتوراه في الفقه المقارن
لتحميــل الخطبة word رابط مباشر ----- اضغط هنا
لتحميــل الخطبة word رابط مباشر (نسخة أخرى) اضغط هنا
لتحميــل الخطبة word جوجل درايف ----- اضغط هنا
لتحميــل الخطبة word جوجل درايف (نسخة أخرى) اضغط هنا
لتحميــل الخطبة pdf جوجل درايف ---- اضغط هنا