خطبة بعنــــوان:
مراحل وسمات بناء الشخصية في السنة النبوية
للشيخ / محمد حســــن داود
(25 ربيع الأول 1444هـ - 22 أكتوبر 2022م)
العناصــــــر: مقدمة
- النبي
(صلى الله عليه وسلم) معلما ومربيا وحريصا على بناء الشخصية السوية.
-
مراحل وسمات بناء الشخصية في السنة النبوية.
-
دعوة إلى أن نعيش بالقلب والجوارح هدي النبي (صلى الله عليه وسلم).
الموضوع:
الحمد لله رب العالمين، القائل في كتابه العزيز: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ
فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ
الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (الأحزاب 21)، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده
لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، القائل في حديثه الشريف: "إِنَّ اللهَ لَمْ
يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا، وَلَا مُتَعَنِّتًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا"
(رواه مسلم)، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم
الدين، وبعد
فإن النبي (صلى الله
عليه وسلم) في كل جوانب حياته أسوة حسنة وخير قدوة، قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ
لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ
وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (الأحزاب 21)
فكان صلى الله عليه وسلم نعم المعلم والمربي،
قال تعالى: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ
آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) (البقرة 151)، وعن جابر بن عبد
الله، أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: "إِنَّ اللهَ لَمْ يَبْعَثْنِي
مُعَنِّتًا، وَلَا مُتَعَنِّتًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا"
(رواه مسلم)
حريص كل الحرص على بناء الشخصية السوية التي تبني وتعمر وفق الشريعة
الإسلامية؛ فمن ينظر في سيرته صلى الله عليه وسلم، يرى مدى اهتمامه بتعليم ما ينفع في الدنيا
والآخرة، فعن أبي رفاعة، قال: "انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ) وَهُوَ يَخْطُبُ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ رَجُلٌ غَرِيبٌ، جَاءَ
يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ، لَا يَدْرِي مَا دِينُهُ، قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيَّ رَسُولُ
اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وَتَرَكَ خُطْبَتَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ،
فَأُتِيَ بِكُرْسِيٍّ، حَسِبْتُ قَوَائِمَهُ حَدِيدًا، قَالَ: فَقَعَدَ عَلَيْهِ رَسُولُ
اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ،
ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ، فَأَتَمَّ آخِرَهَا" (رواه مسلم).
ولقد بينت السنة
النبوية مراحل وسمات بناء هذه الشخصية السوية:
- وإن أول هذه المراحل: بناء العقيدة الإيمانية، إذ إن تعمير القلوب بالإيمان
هو أساس بناء الشخصية السوية؛ فالقلوب هي المحركة للأبدان، ولا صلاح للجسد إلا بصلاحها،
كما قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): "ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً، إذا
صَلَحَتْ، صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ، فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وهي
القَلْبُ" لذلك كان هذا موضع اهتمام النبي (صلى الله عليه وسلم)، فعن ابْنِ عَبَّاسٍ،
قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَوْمًا،
فَقَالَ: "يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ،
احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ
فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ
بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا
عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ
عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ" (رواه الترمذي) وعن أبي
هريرة أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: "سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ في ظِلِّهِ،
يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ: الإمَامُ العَادِلُ، وشَابٌّ نَشَأَ في عِبَادَةِ رَبِّهِ،
ورَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ في المَسَاجِدِ، ورَجُلَانِ تَحَابَّا في اللَّهِ اجْتَمعا
عليه وتَفَرَّقَا عليه، ورَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وجَمَالٍ، فَقَالَ:
إنِّي أخَافُ اللَّهَ، ورَجُلٌ تَصَدَّقَ، أخْفَى حتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ ما تُنْفِقُ
يَمِينُهُ، ورَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ" (رواه البخاري).
كما بنى النبي (صلى الله
عليه وسلم) هذه الشخصية على سمات، منها:
- الوسطية والاعتدال والتوازن بين ما ينفع المرء
في دنياه وفي أخراه؛ فالإسلام دين يدعو الناس ويحثهم على عمارة دنياهم وأخراهم على
السواء، ففي الاهتمام بالعاجلة وإغفال الآجلة أو العكس بُعد عن التوازن وشرود، ولقد
كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يسأل ربه أن يعمر دنياه وأخراه، فما أكثر ما كان
يدعو بهذا الدعاء القرآني الكريم (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ
حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (البقرة201)، وكان من دعائه أيضا: "وَأَصْلِحْ
لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي"
(رواه مسلم) وحين صرف قارون همه إلى الدنيا وانصرف عن الآخرة، نصحه قومه، فقالوا له
كما حكي القرآن الكريم (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا
تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا
تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) (القصص77).
- التمسك بالقيم النبيلة
والأخلاق السامية منذ الصغر؛ فهذا عمَر بْن أَبِي سَلَمَةَ، يقول: كُنْتُ غُلاَمًا
فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ
فِي الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):
"يَا غُلاَمُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ"
فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ. (رواه البخاري) وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عَامِرٍ، أَنَّهُ قَالَ: دَعَتْنِي أُمِّي يَوْمًا وَرَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَاعِدٌ فِي بَيْتِنَا، فَقَالَتْ: هَا تَعَالَ أُعْطِيكَ، فَقَالَ
لَهَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): "وَمَا أَرَدْتِ أَنْ
تُعْطِيهِ؟" قَالَتْ: أُعْطِيهِ تَمْرًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم) "أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تُعْطِهِ شَيْئًا كُتِبَتْ
عَلَيْكِ كِذْبَةٌ" (رواه ابو داود)،
إن خيرية العبد لا تقاس
بصلاته وصيامه فحسب، بل لا بد من النظر في أخلاقه، فقد قال صلى الله عليه وسلم
"خيارُكم أحاسِنُكم أخلاقًا" (متفق عليه)، ومن ثم فما من شيء أثقل في ميزان
العبد من حسن أخلاقه ورقى سلوكه، فعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ
(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ: "مَا مِنْ شَيْءٍ يُوضَعُ فِي الْمِيزَانِ
أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ وَإِنَّ صَاحِبَ حُسْنِ الْخُلُقِ لَيَبْلُغُ بِهِ
دَرَجَةَ صَاحِبِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ " (رواه الترمذي)، وإذا سألت من أقرب الناس مجلسا من النبي (صلى الله عليه وسلم) يوم القيامة لوجدت
أن منهم أحسن الناس أخلاقا، فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) "إِنَّ مِنْ
أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ
أَخْلَاقًا" (رواه الترمذي)، وكما ان للأخلاق الحميدة والسلوك الحسنة أثرا طيب
على العبد، فان لسوء السلوك أثر مثله، فلقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم) "وَإِنَّ
سُوءَ الْخُلُقِ يُفْسِدُ الْعَمَلَ، كَمَا يُفْسِدُ الْخَلُّ الْعَسَلَ".
- حفظ حقوق الناس من جانب، ومن آخر حب الخير لهم: فقد قال صلى الله عليه وسلم: "المسلمُ مَن سَلِم
النَّاسُ من لِسانِه ويدِه" وقال أيضا: "لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحِبُّ
لِنَفْسِهِ"، وعن أبي هريرة (رضي الله عنه) قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ
(صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِي صَلاَةٍ وَقُمْنَا مَعَهُ، فَقَالَ
أَعْرَابِيٌّ وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا، وَلاَ
تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا. فَلَمَّا سَلَّمَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ)، قَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ: "لَقَدْ حَجَّرْتَ وَاسِعًا"
يُرِيدُ رَحْمَةَ اللَّهِ. (رواه البخاري).
- يقظة الضمير: فالضمير اليقظ قوة تدفع النفس نحو فعل الخيرات، وترك المنكرات
وحب الصالحات، كما أن الضمير اليقظ رادع عن المعاصي والآثام، يُجَنّب العبد مقاربتها
ويُثنيه عن تكرارها؛ فإذا النفس سعت لشهواتها، أو ركضت وراء ملذاتها، ارتفع صوت ضميرها
اليقظ يحاول أن يوقفها ويمنعها؛ لذلك كان النبي (صلى الله عليه وسلم) حريصا على
تربية الضمير ويقظته؛ فعن أبي أمامة (رضي الله
عنه) قَالَ: إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)
فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ
فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا : مَهْ, مَهْ, فَقَالَ: "ادْنُهْ ، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا",
قَالَ: فَجَلَسَ قَالَ: "أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟" قَالَ: لَا. وَاللَّهِ
جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ. قَالَ :"وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ"
قَالَ: "أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟" قَالَ : لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ
اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ : "وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ
"قَالَ : "أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟" قَالَ : لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي
اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ : "وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ"،
قَالَ : "أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟" قَالَ : لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ
فِدَاءَكَ . قَالَ: "وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ". قَالَ:
"أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟" قَالَ: لَا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ
, قَالَ: "وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ" قَالَ: فَوَضَعَ
يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ
فَرْجَهُ" (رواه أحمد).
- الاهتمام بالعلم: حيث
تتسامى شخصية المسلم بالعلم الذي يكشف له طريق الحق والخير وينير مسالك الحياة فيمضي
العبد فيها نافعا، فبالعلم ترتقي الأمم، ولقد قال تعالي: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ
يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ)(الزمر9)
وانظر معي كيف كان اهتمام النبي (صلى الله عليه وسلم) بالعلم إذ يقول: "مَن سلَكَ
طريقًا يلتَمِسُ فيهِ علمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طريقًا إلى الجنَّةِ، وإنَّ الملائِكَةَ
لتَضعُ أجنحتَها لطالِبِ العلمِ رضًا بما يصنعُ، وإنَّ العالم ليستغفِرُ لَهُ مَن في
السَّمواتِ ومن في الأرضِ، حتَّى الحيتانِ في الماءِ، وفضلَ العالمِ على العابدِ كفَضلِ
القمرِ على سائرِ الكواكبِ، وإنَّ العُلَماءَ ورثةُ الأنبياءِ إنَّ الأنبياءَ لم يورِّثوا
دينارًا ولا درهمًا إنَّما ورَّثوا العلمَ فمَن أخذَهُ أخذَ بحظٍّ وافرٍ".
- الحرص على العمل وإتقانه:
فالعمل باب عظيم إلى التقدم والرقي والازدهار، والإسلام لا يرضى لمؤمن أن يعيش على
هامش الحياة، بل يريده في جميع مجالات العمل المفيد سباقا، ليكون في مقدمة من أسهموا
في عمارة الحياة الدنيا، فكانت نظرته إلى العمل والبناء والتعمير نظرة توقير وتمجيد،
ولك أن ترى ذلك جليا، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ،
أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)
يَسْأَلُهُ، فَقَالَ: "أَمَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ؟" قَالَ: بَلَى، حِلْسٌ
نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ، وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ، قَالَ:
"ائْتِنِي بِهِمَا"، قَالَ: فَأَتَاهُ بِهِمَا، فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ، وَقَالَ: "مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ؟"
قَالَ رَجُلٌ: أَنَا، آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ، قَالَ: "مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ
مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا"، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ
فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ، وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ وَأَعْطَاهُمَا الْأَنْصَارِيَّ،
وَقَالَ: "اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ، وَاشْتَرِ
بِالْآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ،"، فَأَتَاهُ بِهِ، فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ
اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عُودًا بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ:
"اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَبِعْ، وَلَا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا"،
فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ، فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ،
فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا، وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
(صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): " هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ
نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا
لِثَلَاثَةٍ: لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ، أَوْ لِذِي دَمٍ
مُوجِعٍ " رواه ابو داود ) ولم يقف
الأمر عند العمل وفقط، بل دعا النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى إتقانه، فقال:
"إنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ إذا عمِلَ أحدُكمْ عملًا أنْ يُتقِنَهُ".
فما أحوجنا إلى أن نعيش
بالقلب والجوارح هدي الرسول (صلى الله عليه وسلم) فنأخذ من مشكاته، ونقتدي به في سيرته
وسريرته، وفي سائر أحواله، حتى تستقيم دنيانا وآخرتنا.
اللهم ارزقنا
حسن التأسي بنبينا (صلى الله عليه وسلم)، وارزقنا شفاعته
وأهدنا لأحسن الأخلاق، واصرف عنا سيئها
وأحفظ مصر من كل مكروه وسوء
=== كتبه ===
محمد حســــــــــن داود
إمام وخطيب ومـــــــــــدرس
باحث دكتوراه في الفقه المقارن
لتحميــل الخطبة word رابط مباشر ----- اضغط هنا
لتحميــل الخطبة word رابط مباشر (نسخة أخرى) اضغط هنا
لتحميــل الخطبة word جوجل درايف ----- اضغط هنا
لتحميــل الخطبة word جوجل درايف (نسخة أخرى) اضغط هنا
لتحميــل الخطبة pdf جوجل درايف ---- اضغط هنا