خطبة
بعنـــــــوان:
جرائمُ التحرشِ الإلكترونيّ
للدكتــــــور/ محمد حســــــن داود
(8 شوال 1447هـ - 27 مارس 2026م)
العناصـــــر :
- الإسلام دين الأخلاق.
- التحرش الإلكتروني وخطره.
- من صور التحرش الإلكتروني.
- التحرش الإلكتروني أسباب وعلاج.
- دعوة إلى مراقبة الله (عز وجل).
- أطفالنا والألعاب الإلكترونية.
الموضــــــوع: الحمد لله رب العالمين، الحمد لله فاطر السبع الطباق، مقسم
الأرزاق، الهادي لأحسن الأخلاق، مالك يوم التلاق، نحمده سبحانه على آلاء تملأ
الآفاق، ونعم تطوق القلوب والأعناق، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، القائل في حديثه الشريف: "إنما
بُعِثتُ لأُتَمِّمَ صالِحَ الأخْلاقِ"، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد،
وعلى آله، وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد
فلا شك أن الله (عز وجل) بفضله وكرمه سهل لنا
الكثير من الصعاب، وأغدق علينا من نعمه ما لا يحصى عدده، ولا يعرف حده، لا سيما في
طيات هذا العصر الزاخر بالتقنيات، إذ نرى أن الوسائط الرقمية أصبحت جزءا لا يتجزأ
من حياة الإنسان المعاصر، تحتل مساحة من تفكيره واهتماماته، وتشغل شيئا من ساعاته
وأوقاته؛ ومن هنا كان حريا بالعاقل المتبصر أن يعلم أنه مسئول عن كل أفعاله
وتصرفاته على هذه المنصات، قال تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ
مَسْئُولًا) (الإسراء: 36)، كونها ساحة ذات جانبين، قد تكون ميدانا للخير، أو
مرتعا للباطل.
من جانب آخر فلقد اتسمت الشريعة وأحكامها
بالشمولية، وأحاطت الأمة بسياج القيم الذي يحرس كل جوانبها، ويدعوها إلى مكارم
الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ويسمو بها عن سفاسف السلوك والصفات، إذ يقول الحبيب النبي
(صلى الله عليه وسلمَ): "إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مكارمَ الأخْلاقِ"،
ويقول سيدنا صلى الله عليه وسلمَ: "إنَّ اللهَ تعالى يُحِبُّ مَعاليَ
الأُمورِ، و أَشرافَها، ويَكرَهُ سَفْسافَها".
ومن ثم فإن من الأخلاق والسلوك السيئة: جريمة
"التحرش الإلكتروني"؛ ذلك السلوك المنحرف الذي يقوم على إيذاء الآخرين،
بإرسال الرسائل غير اللائقة، أو الملاحقة المزعجة، أو الابتزاز، أو نشر الصور
والمعلومات الخاصة بغير حق، أو التلاعب بالمشاعر بقصد الإفساد والإضرار؛ في حين أن
نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية قد أكدت على حرمة إيذاء الناس بأي صورة كان هذا
الإيذاء، فقال تعالى: (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ
بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) (الأحزاب:
٥٨)، وقال سبحانه: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ
مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا
بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا
لَا تَعْلَمُونَ) (الأعراف: ٣٣) وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو (رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُمَا)، عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: "الْمُسْلِمُ
مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ" (متفق عليه). ولقد خطب سيدنا رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلمَ) النَّاسَ فِي
حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ: "أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟" قُلْنَا: اللَّهُ
وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ
بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: "أَلَيْسَ ذَا الْحِجَّةِ؟" قُلْنَا: بَلَى،
قَالَ: "فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟" قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ،
قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ:
"أَلَيْسَ الْبَلْدَةَ؟"، قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: "فَأَيُّ يَوْمٍ
هَذَا؟" قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَسَكَتَ حَتَّى
ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: "أَلَيْسَ يَوْمَ
النَّحْرِ؟" قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "فَإِنَّ
دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ
يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ
رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، فَلَا تَرْجِعُنَّ بَعْدِي
كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ
الْغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلِّغُهُ يَكُونُ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ
مَنْ سَمِعَهُ. (رواه مسلم).
وإن كنا بالأمس القريب نحذر من سوء اللسان
وآفاته، كونه ملك البيان، فاليوم مع الفضاء الإلكتروني تغيرت الأحوال، فصارت أصابع
الكثير من الناس تتحدث وتنطق بكلام أكثر من ألسنتهم؛ والنبي (صلى الله عليه وسلمَ)
يقول: "وَهَل يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ على وجوهِهِم أو على مَناخرِهِم
إلَّا حَصائدُ ألسنتِهِم؟" (رواه الترمذي)، فيدخل في ذلك القلم والرسالة
والصورة والمنشور؛ فالأذى الإلكتروني أذى حقيقي يحاسب عليه العبد، حيث يظن بعض
الناس أن الاختفاء خلف الشاشة يرفع عنه المسئولية، وينسى قول الله تعالى: (مَا
يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (ق: 18) فكل رسالة تكتب،
وكل صورة ترسل، وكل كلمة تنشر، مسجلة عند الله قبل أن تحفظ في الأجهزة ومواقع
التواصل.
وإن الناظر في التاريخ يجد أن التحرش من أفعال
المنافقين في المدينة على عهد الرسول (صلى الله عليه وسلمَ) حيث كانوا يؤذون
المؤمنين بتحرشهم بالنساء؛ فنزل القرآن بالعقوبات الرادعة التي تتناسب مع أفعال
هؤلاء المرجفين والمنافقين؛ قال تعالى: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ
وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ
لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا *
مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا) (الأحزاب: ٦٠،
٦١).
إن للتحرش الالكتروني صورا، منها:
- التشهير الرقمي: ولقد حذرنا القرآن الكريم من
هذا الفعل أيما تحذير، فقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ
الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا
وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُون) (النور: ١٩).
- كذلك من صور التحرش التي انتشرت في عصر
التقنية ووسائل التواصل الاجتماعي جريمة الابتزاز الإلكتروني؛ تلك الجريمة التي
يستغل فيها ضعاف النفوس صور الناس أو معلوماتهم أو محادثاتهم الخاصة لتهديدهم
وإجبارهم على دفع المال، أو الوقوع في الحرام، أو تنفيذ مطالبهم.
- التحرش اللفظي: فإننا نعيش في زمن أصبحت فيه
الكلمات تكتب أكثر مما تقال، وتنتشر أسرع مما تسمع، ولا شك أن الكلمة المؤذية في
رسالة خاصة، أو تعليق ساخر، أو محادثة خادشة، قد تترك أثرا نفسيا عميقا يفوق الأذى
الجسدي، وسيدنا النبي (صَلى الله عليه وسلم) يقول: "كلُّ المسلم على المسلم
حرام: دمه وماله وعِرضه".
لقد علمنا الإسلام أدب الكلمة قبل عصر التقنية
بقرون، فقال سبحانه: (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) وقال: "ليس
المُؤمنُ بالطعَّان ولا اللعَّان ولا الفاحِش البَذِيء" (رواه الترمذي وأحمد)
، وقال: "إيَّاكُم والفُحش؛ فإن الله لا يُحبُّ الفاحِشَ والمُتفحِّش" (رواه
ابن حبان)، وقال سيدنا النبي صَلى الله عليه وسلم: "إن الله ليبغضُ الفاحش
البذيء" (أخرجه الترمذي).
وإننا إذا نظرنا في أسباب هذه الجريمة لوجدنا
أن منها: ضعف الوازع الديني، وإطلاق البصر في النظر للمحرمات، والاستخفاف بقيمة الوقت؛ ومن ثم فإن من علاج هذه الجريمة الخطيرة:
- تقوية الوازع الديني: حيث إن الله مطلع
علينا، والمؤمن يعلم جيدا أنه إذا تخفى عن أعين الناس فلن يخفى أمره على الله،
والله جل وعلا يقول: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) (النساء: 1) ويقول
سبحانه: (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ
الصُّدُورِ* أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) (الملك: 13-14)
ويقول سبحانه: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ
فَاحْذَرُوهُ) (البقرة: 235)، ويقول رسول الله صَلى الله عليه وسلم " ثَلاثٌ
مَنْ فَعَلَهُنَّ فَقَدْ ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ : مَنْ عَبَدَ اللَّهَ عَزَّ
وَجَلَّ وَحْدَهُ بِأَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ ، وَأَعْطَى زَكَاةَ مَالِهِ
طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ فِي كُلِّ عَامٍ ، وَلَمْ يُعْطِ الْهَرِمَةَ وَلا
الدَّرِنَةَ وَلا الْمَرِيضَةَ، وَلَكِنْ مِنْ أَوْسَطِ أَمْوَالِكُمْ ، فَإِنَّ
اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَسْأَلْكُمْ خَيْرَهَا وَلَمْ يَأْمُرْكُمْ
بَشَّرِهَا، وَزَكَّى نَفْسَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: وَمَا تَزْكِيَةُ النَّفْسِ؟،
فَقَالَ: أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَعَهُ حَيْثُ كَانَ " (رواه
أبو داود والطبراني والبيهقي ) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ (صَلَّى
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ
فَقَالَ: مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ،
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ" (متفق عليه). ولله در من قال:
وإذا خـلـوت بـريبــة فـي ظلمـــة ***
والـنفـس داعـية إلى الـطغيـان
فاستحي من نظـر الإلـه وقل لها *** إن الـذي خـلق الـظـلام يـراني
- تحصين النفس بالأخلاق: إذ إنها أساس لبناء
الأفراد والأسر والمجتمعات فالسلوك الحسنة من شأنها أن تبني قلوبا وعقولا محصنة لا
ينال منها الشيطان حظا، ومن ثم فإن للأخلاق أهمية بالغة في سعادة أي فرد أو أسرة
أو مجتمع، ولله در من قال:
إنّما الأمم الأخلاق ما بقيت ** فإن هم
ذهبت أخلاقهم ذهبوا
من جانب آخر فإنك إذا سألت عن أقرب الناس مجلسا
من الرسول (صَلى الله عليه وسلم) يوم القيامة لوجدت أن أحسن الناس أخلاقا هم أقربهم
مجلسا إلى الرسول (صَلى الله عليه وسلم) وأحب الناس إليه (صلى الله عليه وسلمَ)
فقد قال رسول الله (صَلى الله عليه وسلم): "إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ
وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا) (رواه
الترمذي).
غض البصر عن المحرمات: فالله (عز وجل) يقول: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ
يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ
إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ* وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ
أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا
مَا ظَهَرَ مِنْهَا) (النور: 30، 31). وعَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ،
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لِعَلِيٍّ: "يَا
عَلِيُّ لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّ لَكَ الْأُولَى وَلَيْسَتْ
لَكَ الْآخِرَةُ" (رواه أبو داود).
الوعي بقيمة الوقت: إذ يقول سيدنا الحبيب النبي
(صلى الله عليه وسلمَ): "نِعْمَتانِ مَغْبُونٌ فِيهِما كَثِيرٌ مِنَ
النَّاسِ: الصِّحَّةُ والفَراغُ" (رواه البخاري)، ومن ثم فإن كانت الحكمة
تقول: "الوقت من ذهب"، فالحق أن نقول: "الوقت أثمن من الذهب"
إذ إن الوقت هو عمر الإنسان، هو حياته، هو رأس ماله، يقول الحسن البصري (رضي الله
عنه): "أدركت أقوامًا كان أحدهم أشحّ على عمره منه على درهمه"، وكان
السري (رحمه الله) يقول: "إذا اغتممتَ بما ينقص من مالك فابك على ما ينقص من
عمرك". ورحم الله من قال:
وَالوَقْتُ أنْفَـــسُ مَا عُنِيتَ
بِحِفْظِهِ *** وَأَرَاهُ أَسْهَــــــــلَ مَا عَلَيْكَ يَضِيعُ
إِنَّا لَنَفْــــــــــــــرَحُ بِالْأَيَّامِ نَقْطَعُهَا *** وَكُلُّ يَوْمٍ
مَضَى يُدْنِي مِنَ الْأَجَـــلِ
فَاعْمَلْ لِنَفْسِكَ قَبْلَ الْمَوْتِ مُجْتَهِدًا *** فَإِنَّمَا الرِّبْحُ
وَالْخُسْرَانُ فِي الْعَمَلِ
إن وسائل التواصل الاجتماعي أوعية لتخزين الخير
أو الشر ونشرهما، بحر متلاطم من سيئ القول والأفعال، يجري بجواره نهر عذب من البر
والخير، فمن لزم نهر البر والخير حاز الحسنات، ومن فارق نهر الخير وقع في بحر
الإثم والسيئات، ولله در من قال:
وما من كاتب إلا سيفنى *** ويبقى الدهر
ما كتبت يداه
فلا تكتب بكفك غير شيء*** يسرك في القيامة أن تراه
فالواجب على كل من يرتاد السوشيال ميديا أن
يراقب الله (عز وجل) في كل أفعاله وتصرفاته، وأن يستشعر قيمة الكلمة التي تخطها
أنامله، وأن يغض بصره عما حرم الله (تعالى)، ولا يضيع وقته فيما لا نفع فيه، وقد
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ
مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا
تَعْمَلُونَ) ( الحشر: 18).
الخطبة الثانية
إن من أخطر ما ابتليت به الأسر في هذا العصر:
انغماس الأطفال في عالم السوشيال ميديا والألعاب الإلكترونية حتى صار ضوء الشاشات
أنيسهم، والهواتف صديقهم الأقرب، فلا يكاد أحدهم يفارق جهازه لحظة إلا شعر بالوحشة
والفراغ، ولم تعد المسألة - كما يظن البعض - مجرد ترفيه عابر أو تسلية بريئة، بل
صارت إدمانا للألعاب الإلكترونية، يستهلك الوقت والعقل والعاطفة، مما يؤثر على
الأطفال من كل الجوانب.
لا شك أن الإسلام يقر الترويح عن الأطفال؛ فإذا
كانت هذه الألعاب تساهم في تنمية قدراتهم وتوسيع ملكاتهم العقلية، وهي مع ذلك
منضبطة بضوابط الشرع فلا يدخلها محرم كالقمار أو غيره فلا جرم في ذلك، وإن كان
الأمر يستوجب متابعة دقيقة من ولي الأمر لضمان عدم تأثيرها سلبًا على نفسية الطفل
أو سلوكه، واختيار الألعاب بما يتناسب مع عمره وحالته، ويعود بالنفع على بنائه
عقليًا وذهنيًا وأخلاقيًا، مع تحديد أوقات اللعب بحيث لا تشغله عن واجباته أو تؤثر
على صحته، وقد أقر النبي (صَلى الله عليه وسلم) هذا النوع من الألعاب؛ فعَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (رضي الله عنه)، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): يَدْخُلُ عَلَيْنَا وَلِي أَخٌ صَغِيرٌ يُكْنَى أَبَا
عُمَيْرٍ وَكَانَ لَهُ نُغَرٌ يَلْعَبُ بِهِ، فَمَاتَ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ
النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ذَاتَ يَوْمٍ فَرَآهُ حَزِينًا،
فَقَالَ: "مَا شَأْنُهُ؟" قَالُوا: مَاتَ نُغَرُهُ، فَقَالَ: "يَا
أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟" (متفق عليه).
أما إذا كانت هذه الألعاب فيها ضرر على عقولهم
أو أبدانهم، أو تحتوي على محظورات ومخالفات منهي عنها كالمقامرة أو تُشجِّع على
ارتكاب الرذيلة، أو تروج لأمور مُخلَّة بالقيم والأعراف، أو تنشر مفاهيم مخالفة
للإسلام ومبادئه السمحة؛ فلا خلاف على حرمتها ومنعها، والله تعالى يقول: (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا
النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ
اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (التحريم: ٦).
اللهم اهدنا لأحسن
الأخلاق، واصرف عنا سيئها، واحفظ مصر من كل مكروه وسوء، واجعلها اللهم أمنا أمانا
سخاء رخاء يا رب العالمين.
===كتبه ===
محمد حســـــــن داود
إمام وخطيب ومـــدرس
دكتوراة في الفقه المقارن
لتحميــل الخطبة word رابط مباشر ----- اضغط هنا
لتحميــل الخطبة word رابط مباشر (نسخة أخرى) اضغط هنا
لتحميــل الخطبة word جوجل درايف ----- اضغط هنا
لتحميــل الخطبة word جوجل درايف (نسخة أخرى) اضغط هنا
لتحميــل الخطبة pdf جوجل درايف ----- اضغط هنا
