خطبة بعنــــوان:
عشرُ ذي الحجة.. فضائلُ وبشائر
للدكتــــور/ محمد حســــن داود
(27 ذو القعدة 1447هـ - 15 مايو 2026م)
العناصـــــر :
- خصائص وفضائل العشر من ذي
الحجة.
- العمل الصالح والحرص عليه أيام العشر.
- أعمال يتقرب بها العبد إلى الله (عز
وجل) في هذه العشر.
- دعوة إلى اغتنام العشر من ذي الحجة.
- العناية بالنظافة في كل الشئون العامة
والخاصة.
الموضــــــوع:
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي أحاط بكل شيء علما، له ما في السماوات وما
في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، نعمه لا تحصى، وآلاؤه ليس لها منتهى، وأشهد أن
لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، وصفيه
من خلقه وحبيبه، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم
بإحسان إلى يوم الدين، وبعد
فمن فضل الله (عز
وجل)، أن جعل لنا مواسم للطاعات، مواسم للخيرات، تحمل النفحات والبركات، تكثر فيها
الحسنات، وتُرفع فيها الدرجات، ولا شك أن من أعظمها شرفا، وأرفعها قدرا، وأكثرها فضلا:
"العشـــر الأول من ذي الحجة". فعَنْ كَعْبٍ،
قَالَ: " أَحَبُّ الْأَشْهُرِ إِلَى اللهِ ذُو الْحِجَّةِ، وَأَحَبُّ ذِي
الْحِجَّةِ إِلَى اللهِ (تَعَالَى) الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْها" (حلية
الأولياء).
- فهي عشر مباركة؛
إذ أقسم الله بها في كتابه، وهذا وحده يكفيها شرفاً وفضلاً، حيث الإشارة إلى تعظيم
الله لها، والتنويه بشأنها وفضلها، قال تعالى (وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ
وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ) (الفجر
1- 5)،(والليالي العشر: هي عشر ذي الحجة).
- كما شهد لها
سيدنا الحبيب النبي (صلى الله عليه وسلم) أنها أفضل أيام الدنيا، فقال: "أفضلُ
أيامِ الدنيا أيامُ العشْرِ" (رواه البزار). ولقد نقل القسطلاني عن أبي أمامة بن النقاش:
"فإن قلت: أيهما أفضل، عشر ذي الحجة، أو العشر الأواخر من رمضان؟ فالجواب: أن
أيام عشر ذي الحجة أفضل؛ لاشتمالها على اليوم الذي ما رؤي الشيطان في يوم - غير
يوم بدر - أدحر ولا أغيظ ولا أحقر منه فيه وهو يوم عرفة، ولكون صيامه يكفر سنتين،
ولاشتمالها على أعظم الأيام عند الله حُرمة وهو يوم النحر الذي سماه الله تعالى
يوم الحج الأكبر، وليالي عشر رمضان الأخير أفضل؛ لاشتمالها على ليلة القدر التي هي
خير من ألف شهر" (المواهب اللدنية).
- فمن جملة
فضلها أن فيها يوم عرفة؛ اليوم الذي أتم الله فيه النعمة؛ فقد قال تعالى:
(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (المائدة: 3)، وعَنِ أم المؤمنين عَائِشَةُ
(رضي الله عنها) قالت: إِنَّ رَسُولَ اللهِ (صلَى الله عليه وسلم) قَالَ: "مَا
مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ
مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ
الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ" (رواه مسلم).
- ومن جملة فضلها أن فيها يوم النحر، وهو أفصل الأيام،
كما قال صلى الله عليه وسلم: "أَعْظَمُ الأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ،
ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ " (رواه أبو داود).
- كذلك من جملة
فضلها: اجتماع أمهات العبادة فيها؛ قال الحافظ ابن حجر، في (الفتح): "والذي يظهر
أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه، وهي الصلاة والصيام
والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيره".
ولقد وجه القرآن
الكريم كما وجهت السنة النبوية إلى اغتنام فضائل هذه الأيام بالطاعات والعبادات
والقربات، قال تعالى: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ) (الحج:
28) (والأيام المعلومات: أيام العشر) وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (رضي الله عنهما) عَنِ
النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلمَ) أَنَّهُ قَالَ: "مَا مِنْ أَيَّامٍ
الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ"
يَعْنِي الْعَشْرَ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ؟ قَالَ: "وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ
خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ" (رواه
البخاري). قال ابن رجب الحنبلي، في (لطائف المعارف): "وقد دلت هذه الأحاديث
على أن العمل في أيام ذي الحجة أحب إلى الله من العمل في أيام الدنيا من غير
استثناء شيء منها، وإذا كان أحب إلى الله فهو أفضل عنده".
والعمل الصالح
أعم وأوسع من أن يحصر في فعل أو قول؛ إذ يشمل كل ما فيه طاعة الله (عز وجل) والتقرب اليه، فمنه الطاعات
والعبادات؛ ولقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا
وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)
(الحج 77) ومنه ما ينتفع به
الناس؛ ولقد قال النبي (صَلى الله عليه وسلم): "مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ
يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ" وقال: "أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ
أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ". ومنه مكارم الأخلاق وحسن السلوك؛ فقد قال النبي (صَلى
الله عليه وسلم): "ما مِن شيءٍ يوضَعُ في الميزانِ أثقلُ من حُسنِ الخلقِ،
وإنَّ صاحبَ حُسنِ الخلقِ ليبلُغُ بِهِ درجةَ صاحبِ الصَّومِ والصَّلاةِ " (رواه
الترمذي).
ولقد كان
الصحابة (رضي الله عنهم) ومن سار على دربهم يغتنمون بالعبادات فضل هذه الأيام حتى
ورد أن سعيد بن جبير (رضي الله عنه) كان "إذا دخل أيام العشر اجتهد اجتهادا شديدا
حتى ما يكاد يَقْدِرُ عليه".. وإن من أعظم وأفضل ما يتقرب به العبد إلى الله
في هذه الأيام:
- الإكثار من التوبة
والاستغفار: فعلى المسلم أن يستقبل مواسم الطاعات عامة بالتوبة الصادقة، ففيها الفلاح
في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا
الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: 31).
- المحافظة على الفرائض: ففي الحديث
القدسي: "وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا
افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ
حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ
الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي
يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي
لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ
نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ، وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ " (رواه
البخاري).
- الصيام: فعَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ (صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَصُومُ تِسْعَ ذِي الْحَجَّةِ وَيْوَمَ عَاشُورَاءَ
وَثَلاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ" (رواه أحمد)، وفي صيام يوم
عرفة يقول صَلى الله عليه وسلم: " صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى
اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ
" (رواه مسلم).
- ومنها: الإكثار من ذكر الله (عز
وجل): فقد قال تعالى: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ)
(الحج: 28)، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ) قَالَ: "مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَا
أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ فِيهِنَّ، مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْر،
فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ"
(رواه أحمد)، ولقد كان الصحابة (رضي الله عنهم) يكثرون في هذه الأيام من التهليل
والتكبير؛ قال البخاري: "كان ابنُ عمرَ وأبو هريرةَ (رضي اللهِ عنهما)
يخرجانِ إلى السوقِ في أيامِ العشرِ يكبرانِ ويكبرُ الناسُ بتكبيرِهِمِا".
وقال: وكان عمرُ (رضي الله عنه) يُكَبِّرُ فِي قُبَّتِهِ بِمِنًى، فَيَسْمَعُهُ
أَهْلُ الْمَسْجِدِ فَيُكَبِّرُونَ، وَيُكَبِّرُ أَهْلُ الْأَسْوَاقِ حَتَّى
تَرْتَجَّ مِنًى تَكْبِيرًا. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُكَبِّرُ بِمِنًى تِلْكَ
الْأَيَّامَ، وَخَلْفَ الصَّلَوَاتِ، وَعَلَى فِرَاشِهِ، وَفِي فُسْطَاطِهِ
وَمَجْلِسِهِ وَمَمْشَاهُ، تِلْكَ الْأَيَّامَ جَمِيعًا ".
- الإكثار من الصلاة على النبي (صلى
اللهُ عليه وسلم): ففيها تفريج الكربات وقضاء الحوائج، والرفعة في الدرجات؛ فعن
أُبَيِّ بن كعب، قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ
عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي؟ فَقَالَ: "مَا شِئْتَ".
قَالَ: قُلْتُ: الرُّبُعَ، قَالَ: "مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ
لَكَ"، قُلْتُ: النِّصْفَ، قَالَ: "مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ
خَيْرٌ لَكَ"، قَالَ: قُلْتُ: فَالثُّلُثَيْنِ، قَالَ: "مَا شِئْتَ،
فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ"، قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا
قَالَ: "إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ" (الترمذي)، وفي
رواية عند الإمام أحمد: قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ
جَعَلْتُ صَلَاتِي كُلَّهَا عَلَيْكَ، قَالَ: "إِذَنْ يَكْفِيَكَ اللَّهُ (تَبَارَكَ
وَتَعَالَى) مَا أَهَمَّكَ مِنْ دُنْيَاكَ وَآخِرَتِكَ " .
- الدعاء: فقد قال رسول الله (صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): "مَا مِنْ مُسْلِمٍ
يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا
أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ إِمَّا أَنْ تُعَجَّلَ لَهُ دَعْوَتُهُ،
وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ
مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا"، قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ؟، قَالَ: "اللَّهُ
أَكْثَرُ"(رواه الترمذي).
- إجابة السائل، وإعانة المحتاج،
وتفريج الكرب، وقضاء الحوائج: إذ يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلمَ): " َأَحَب
الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ
عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا".
- كما يتأكد في هذه العشر: صلة
الأرحام، وحسن الجوار، وغير ذلك من صنوف الخيرات، قال الله تعالى: (وَمَا تَفْعَلُوا
مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ) (البقرة: 197).
كما لا ينبغي لمستطيع أن ينسى أمر الأضحية: وقد قال
الحبيب النبي (صَلى الله عليه وسلم): "من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن
مصلانا" (رواه ابن ماجه). ففي الأضحية أسمى معاني الشكر لله (عز وجل) على
نعمه، وفيها إحياء لسنة سيدنا إبراهيم (عليه السلام)، وتأسيا بسنة المصطفى (صَلى
الله عليه وسلم). وكفى في فضلها قول النبي (صَلى الله عليه وسلم): "مَا
عَمِلَ آدَمِيٌّ مِنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرِ، أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ
إِهْرَاقِ الدَّمِ، إِنَّهَا لَتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا،
وَأَشْعَارِهَا، وَأَظْلَافِهَا، وَأَنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ
قَبْلَ أَنْ يَقَعَ مِنَ الْأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا". غير أنها من أوسع أبواب التكافل والتراحم، كما أنها طريق
إلى توثيق الروابط وتوطيد العلاقات وزرع المحبة وتحقيق الأخوة وقد قال النبي (صَلى
الله عليه وسلم): " مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ
وَتَعَاطُفِهِمْ ، مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ
سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى " (رواه مسلم).
علما بأنه كما يتحقق فعل الأضحية بيد المضحي يتحقق أيضا
بالوكالة من خلال صكوك الأضاحي، فلقد حرصت وزارة الأوقاف المصرية على تحقيق كل معاني التيسير
في إحياء هذه السنة النبوية العظيمة من
جانب، ومن آخر سعيا إلى وصول الأضاحي إلى الأسر الأكثر احتياجا فاهتمت بمشروع
" صك الأضحية " والذي يعد بمثابة توكيل بالأضحية.
إن اللبيب العاقل دائما يسارع ويبادر
إلى الخيرات، ويغتنم مواسم الطاعات، فقد قال الله (جل وعلا): (وَسَارِعُواْ
إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ
أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران: 133) ويقول النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): "افْعَلُوا
الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ
لِلَّهِ نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ،
وَسَلُوا اللَّهَ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ، وَأَنْ يُؤَمِّنَ رَوْعَاتِكُمْ".
فنافس
في الخير ما دمت في فسحة ونفس، فالصحة يفجؤها السقم، والقوة يعتريها الوهن،
والشباب يعقبه الهرم.
تزود من معاشك للمعــــــاد * * * وقم
لله واعمل خيـر زاد
أترضى أن تكون رفيق قوم * * * لهم زاد وأنت بغير زاد ؟
الخطبة الثانية
إن الإسلام لم يكتف بدعوة الإنسان إلى الحفاظ على طهارة الباطن فحسب، بل
استكمل الصورة على المستوى المادي والشكلي في الجسد والملبس والبيت والشارع
والبيئة المحيطة بحيث تكون النظافة، ويكون الجمال في كل ما حولنا؛ وفى الحديث يقول
سيدنا النبي (صَلى الله عليه وسلم): "إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ
الْجَمَالَ" ومن اهتمام الإسلام وعنايته بالنظافة والجمال أن مدح الله تعالى المتطهرين،
قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ) (البقرة:
222 ) ولا أدل على حرص الإسلام على الطهارة من دخولها في صلب الأحكام الشرعية
وجعلها مفتاحا، بل وشرطا لركن من أركان الإسلام، إذ يقول المولى جل وعلا: (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا
وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ
وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) (المائدة:6) وعَنْ عَلِيٍّ (رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): "مِفْتَاحُ
الصَّلَاةِ الطُّهُورُ ..." (رواه أبو داود) وعن ابْنِ عُمَرَ (رضي الله عنه)
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ (صَلى الله عليه وسلم) يَقُولُ " لاَ
يَقْبَلُ الله صَلاَةً بِغَيْرِ طُهُورٍ وَلاَ صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ" (رواه
مسلم)
إن النظافة والجمال في الإسلام مطلب ضروري وقيمة نبيلة، وفى السنة النبوية
ما هو دليل على ذم الإسلام لإهمال النظافة وأهل هذا الإهمال، فَعَنْ ابْنِ
عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ مَرَّ رَسُولُ اللَّه (صلى الله عليه
وسلمَ) عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ: "إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا
يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا هَذَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ
وَأَمَّا هَذَا فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ" ( متفق عليه) وفى رواية
لمسلم: " لا يَسْتَنْزِهُ عَنْ الْبَوْلِ أَوْ مِنْ الْبَوْلِ" وفى
رواية النسائي" لا يَسْتَبْرِئُ مِنْ بَوْلِهِ". كما أن النظافة سلوك
إنساني وحضاري وهى أول الانطباعات التي تتشكل عن الفرد وشخصيته، ولاشك أن دعوة
الإسلام إلى نظافة البدن والبيئة وفي كل الشئون العامة والخاصة كان من أعظم أهدافها
حماية المجتمع من الأمراض، فمن المعلوم أن أضرار التلوث ليست قاصرة على الفرد وحده
بل تتعداه إلى الكثير والكثير، ومن ثم عني الإسلام عناية خاصة بالنظافة، فهي من
مظاهر الإيمان، وهى سلوك إنساني وحضاري، وفيها إرضاء للرحمن، وعافية للأبدان،
وسلامة من الأسقام .
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واحفظ مصر من كل مكروه وسوء.
=== كتبه ===
محمد حســــــــــن داود
إمام وخطيب ومـــدرس
دكتوراة في الفقه المقارن
لتحميــل الخطبة word رابط مباشر ----- اضغط هنا
لتحميــل الخطبة word رابط مباشر (نسخة أخرى) اضغط هنا
لتحميــل الخطبة word جوجل درايف ----- اضغط هنا
لتحميــل الخطبة word جوجل درايف (نسخة أخرى) اضغط هنا
لتحميــل الخطبة pdf جوجل درايف ----- اضغط هنا
