recent
آخر المشاركات

خطبة بعنـــــــوان: الرفق.. بناءٌ للإنسان وعمرانٌ للأوطان - للدكتـــــور/ محمد حســــن داود (25 محرم 1448هـ - 10 يوليو 2026م)

 

خطبة بعنـــــــوان:
الرفق.. بناءٌ للإنسان وعمرانٌ للأوطان
للدكتـــــور/ محمد حســــن داود
(25 محرم 1448هـ - 10 يوليو 2026م)

العناصــــــر:
- الإسلام دين الرفق.
-  مكانة الرفق وفضله.
- من صور الرفق.
- أثر الرفق.
- (الخطبة الثانية) القسوة ليست وسيلة للتربية.

الموضــــــوع: الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي أحاط بكل شيء علما، له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، نعمه لا تحصى، وآلاؤه ليس لها منتهى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وحبيبه، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد

فإن من عظيم أمر الإسلام أنه دين لين ورفق ويسر، فهو دين في جوهره ورسالته، وأحكامه وتشريعاته، وجملته وتفصيله يجمع ولا يفرق، يوحد ولا يشتت، يقوي ولا يضعف، يبني ولا يهدم، رحمة كله، تيسير كله، إنسانية كله، لا عنت ولا تكلف ولا حرج؛ قال تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (الحج: 78) ويقول جل وعلا: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة: 185) ويقول النَّبِي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): "إِنَّكُمْ أُمَّةٌ أُرِيدَ بِكُمُ الْيُسْرُ" (رواه أحمد).

 فالرفق منهجٌ رباني؛ فعَن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلمَ): "إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ" (رواه أحمد) .. والرفق أساس الدعوة إليه (سبحانه)، فقد قال تعالى: (ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِیلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُۚ) (النحل: ١٢٥) وقال تعالى: (ٱذۡهَبَاۤ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ * فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلࣰا لَّیِّنࣰا لَّعَلَّهُۥ یَتَذَكَّرُ أَوۡ یَخۡشَىٰ) (طه: ٤3- ٤٤) .. والرفق من كمال العقل والحكمة؛ فهو ثمرة عقل راجح، ونفس متزنة، وحكمة في تقدير العواقب .. والرفق كله خير؛ فعن أم المؤمنين عَائِشَة (رضي الله عنها) أن النَّبِي (صلى الله عليه وسلمَ) قال: "إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ" (رواه مسلم) .. من ناله فقد نال كل الخير؛ فقد قال صلى الله عليه وسلمَ: "مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ، فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ وَحُسْنُ الْجِوَارِ يَعْمُرَانِ الدِّيَارَ، وَيَزِيدَانِ فِي الْأَعْمَارِ" (رواه أحمد) .. ومن حرمه فقد حرم الخير؛ فعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلى الله عليه وسلم): "مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ" (رواه مسلم).

والرفق من أخلاق سيدنا الحبيب النبي (صلى الله عليه وسلمَ): فلما سمع صَلى الله عليه وسلم هذا الرجل الذي دعا قائلا: "اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا"،  قال له: " لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا ". وعن مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلمَ)َ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ، مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلمَ)، فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ؛ فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ: "إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ" (رواه مسلم).

 إن من صور الرفق: الرفق بالوالدين، فقد قال تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ) (الأحقاف: 15).

الرفق بالأرحام: فقد قال النبي (صلى الله عليه وسلمَ):"بُلُّوا أَرْحامَكُمْ ولَوْ بِالسلام".

الرفق بين الزوجين، فقد قال تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ) (النساء: ١٩).

الرفق في التربية والتعليم: فعن أبي هريرة (رضي الله عنه) أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَالَ فِي المَسْجِدِ، فَثَارَ إِلَيْهِ النَّاسُ ليَقَعُوا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): دَعُوهُ، وَأَهْرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ" (رواه البخاري). وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ (رضي الله عنه) قَالَ: إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا: مَهْ مَهْ فَقَالَ: "ادْنُهْ"، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا، قَالَ: فَجَلَسَ قَالَ: "أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ؟" قَالَ: لَا وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: "وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ"، قَالَ: "أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ؟" قَالَ: لَا، وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ قَالَ: "وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ"، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ؟" قَالَ: لَا، وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: "وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ"، قَالَ: "أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟" قَالَ: لَا، وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: "وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ"، قَالَ: "أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟" قَالَ: لَا، وَاللهِ، جَعَلَنِي اللهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: "وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ"، قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: "اللهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ" قَالَ: فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ (رواه أحمد).

الرفق بالفقراء والمحتاجين: فقد قال سيدنا الحبيب النبي (صلى الله عليه وسلمَ): "أحبُّ الناسِ إلى اللهِ أنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وأحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سُرُورٌ يدْخِلُهُ على مسلمٍ، أوْ يكْشِفُ عنهُ كُرْبَةً، أوْ يقْضِي عنهُ دَيْنًا، أوْ يَطْرُدُ عنهُ جُوعًا، ولأنْ أَمْشِيَ مع أَخٍ لي في حاجَةٍ أحبُّ إِلَيَّ من أنْ أعْتَكِفَ في هذا المسجدِ - يعني: مسجدَ المدينةِ- شهرًا، و مَنْ كَفَّ غضبَهُ سترَ اللهُ عَوْرَتَهُ، ومَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ و لَوْ شاءَ أنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ مَلأَ اللهُ قلبَهُ رَجَاءً يومَ القيامةِ، ومَنْ مَشَى مع أَخِيهِ في حاجَةٍ حتى تتَهَيَّأَ لهُ أَثْبَتَ اللهُ قَدَمَهُ يومَ تَزُولُ الأَقْدَام"

الرفق بالناس، وذلك بلين الجانب، وحسن القول، والسماحة، وقد قال سيدنا النبي (صلى الله عليه وسلمَ):" المُؤمِنُ يألَفُ ويُؤلَفُ ولا خيرَ فيمَنْ لا يألَفُ ولا يُؤلَفُ".

الرفق بالطير والحيوان: فقد دخل النبي (صَلى الله عليه وسلم): ذات يوم حائطا لرجل من الأنصار فإذا جمل، فلما رأى الجملُ النبيَّ (صلى الله عليه وسلمَ) حنّ وذرفت عيناه، فأتاه النبي (صَلى الله عليه وسلم) فمسح ذفراه فسكت، فقال: "مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ، لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ؟". فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله. فقال: "أَفَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا؟، فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ"(رواه أبو داود).

إن من أعظم ثمار الرفق أنه باب إلى الجنة؛ فعنْ أبي هريرةَ (رضيَ اللهُ عنهُ) قالَ: قالَ النبيُّ (صلى الله عليه وسلمَ): "بَيْنَمَا كَلْبٌ يُطِيفُ بِرَكِيَّةٍ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ إِذْ رَأَتْهُ بَغِيٌّ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَنَزَعَتْ مُوقَهَا فَسَقَتْهُ فَغُفِرَ لَهَا بِهِ" (متفقٌ عليهِ).

كما أنه يجمع القلوب بعد تفرقها، ويؤلف بين النفوس بعد تنافرها، ويبدل العداوة مودة، والجفوة محبة، ولذلك امتن الله (تعالى) على نبيه (صَلى الله عليه وسلم) بما وهبه من لين الجانب، ورحابة الصدر، وكريم الخلق، وجعل هذا الرفق من أعظم أسباب اجتماع أصحابه حوله، وثباتهم على دعوته، والتفافهم من حوله، فقال سبحانه: (فَبِمَا رَحۡمَةࣲ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِیظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنۡ حَوۡلِكَۖ) (آل عمران: ١٥٩) ومن أعظم الشواهد على ذلك: ما رواه أبو هريرة (رضي الله عنه) قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ (صَلى الله عليه وسلم) خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلمَ) فَقَالَ: "مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ"، فَقَالَ: عِنْدِي خَيْرٌ يَا مُحَمَّدُ، إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ، فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ حَتَّى كَانَ الْغَدُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: "مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ"، قَالَ: مَا قُلْتُ لَكَ: إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، فَتَرَكَهُ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ، فَقَالَ: "مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ"، فَقَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ، فَقَالَ: "أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ"، فَانْطَلَقَ إِلَى نَجْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، يَا مُحَمَّدُ، وَاللهِ مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلَيَّ، وَاللهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيَّ، وَاللهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ إِلَيَّ، وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي، وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ، فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلمَ) وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لَهُ قَائِلٌ: صَبَوْتَ، قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ (صَلى الله عليه وسلم)، وَلَا وَاللهِ، لَا يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبِيُّ (صلى الله عليه وسلمَ) (رواه البخاري).

الخطبة الثانية

لقد أقام الإسلام تربية الأبناء على أساس الرحمة والرفق، وجعل حسن معاملة الطفل من الطاعات، وفي وصف الله (عز وجل) لنبيه صَلى الله عليه وسلم بقوله: (بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ)، تجد هذا الرفق أوضح ما يكون في التربية؛ فكان يستقبل المولود بالدعاء، ويزور الصغار، ويسلم عليهم، ويمسح على رؤوسهم، ويدعو لهم ويرفق بهم، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قالَ: "كانَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلمَ) أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكانَ لي أَخٌ يُقَالُ لهُ: أَبُو عُمَيْرٍ، قالَ: أَحْسِبُهُ، قالَ: كانَ فَطِيمًا، قالَ: فَكانَ إذَا جَاءَ رَسولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلمَ) فَرَآهُ، قالَ: أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ قالَ: فَكانَ يَلْعَبُ بهِ". (مسلمٌ)، ولم تكن محبته صلى الله عليه وسلمَ للصغار محبةً كامنةً في القلب فحسب، بل كانت محبةً معلنةً يترجمها بالرفق والرحمة والكلمة الطيبة والدعاء الصادق، فكان يحمل الحسن والحسين (رضي الله عنهما)، ويقبلهما، وكان يقول: "حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ، سَبِطَانِ مِنَ الْأَسْبَاطِ"، ويقول: " اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ، وَأَحْبِبْ مَنْ يُحِبُّهُ".

 كما أنكر صلى الله عليه وسلمَ على من ظن أن تقبيل الأبناء وإظهار الحنان أمر مرفوض، فقال لمن أخبره أنه لا يقبل أولاده: "أَوَأَمْلِكُ إِنْ كَانَ اللَّهُ نَزَعَ مِنْكَ الرَّحْمَةَ"، ثم قرر القاعدة العظيمة: "من لا يرحم لا يُرحم"، ليبين أن الرفق ليس ترفًا تربويًا، بل خلق إيماني، وعلامة على حياة القلب، وسبب لاستحقاق رحمة الله تعالى. ومن هنا كانت القسوة في التربية لا تثمر نجاحا، وإنما تترك في النفوس جراحًا عميقة، وتورث الخوف والانكسار، بينما الرفق يغرس المحبة، والثقة والمودة، ولذلك قال صَلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ"، فما أحوج الآباء والأمهات إلى أن يجعلوا هذا الهدي النبوي منهجًا عمليًا في بيوتهم، فيربوا أبناءهم بالرحمة لا بالشدة، وبالاحتواء لا بالعقوبة، وبالحوار لا بالزجر، فإن الطفل الذي ينشأ في ظلال الرحمة ينشأ سليم النفس، قوي الشخصية، محبًا للخير، بارًّا بوالديه، رحيمًا بالناس، أما الطفل الذي لا يرى إلا الغلظة والإهانة، فقد يطيع خوفًا، لكنه يحمل في قلبه آثارًا تبقى معه طويلًا، وربما أورثها لغيره، وهكذا يبقى الرفق في التربية هو المنهج الذي يبني الإنسان، ويصلح الأسرة، ويقيم المجتمع على المحبة والرحمة.

فاللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، واصرف عنا سيئها
 واحفظ مصر وقائدها وجيشها ورجال أمنها وشعبها من كل مكروه وسوء

=== كتبه ===
محمد حســــــن داود
إمام مسجد سيدي إبراهيم الدسوقي (رضي الله عنه)
دكتوراة في الفقه المقارن

لتحميــل الخطبة  word   رابط مباشر  -----      اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة  word   رابط مباشر (نسخة أخرى) اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة     pdf   رابط مباشر     -----      اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة  word   جوجل درايف    ----      اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة  word جوجل درايف (نسخة أخرى) اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة  pdf    جوجل درايف      -----       اضغط هنا 

google-playkhamsatmostaqltradent