خطبة
بعنـــــــوان:
حــــق
الطريــــق
للدكتـــــور/
محمد حســــن داود
(3 صفر 1448هـ - 17 يوليو 2026م)
العناصــــــر:
- عناية الإسلام بالطريق.
- من
حقوق الطريق.
- دعوة إلى المحافظة على حق الطريق.
- (الخطبة الثانية) اغتنام الإجازة الصيفية.
الموضــــــوع:
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي أحاط بكل شيء علما، له ما في السماوات وما
في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، نعمه لا تحصى، وآلاؤه ليس لها منتهى، وأشهد أن
لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، وصفيه
من خلقه وحبيبه، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم
بإحسان إلى يوم الدين، وبعد
إن شريعة الإسلام شريعة شاملة كاملة، استوعبت
شتى جوانب الحياة وشئونها، واشتملت على كل
ما يعرض للمرء من مهده إلى لحده، وحوت تعاليمها وقيمها ومبادئها كل ما كان من شأنه
أن يوفر للمجتمع السعادة والراحة والطمأنينة، وإنَّ مما يظهر فيه شمولُ هذا الدين،
وجلاءُ حِكَمه وأحكامه، ما ورد في الكتاب والسنة في حق الطريق؛ فلقد دل القرآن الكريم
على أهمية الطريق، واعتباره من نعم الله (عز وجل)؛ قال تعالى: (وَاللَّهُ جَعَلَ
لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا * لِّتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا)(نوح:
١٩-٢٠)، فالطـريق في الإسـلام له آداب وحقوق، ينبغي للمارين
منه أو الجالسين فيه أن يقوموا على هذا الحق، علما بأن الجلوس في الطرقات يشمل الوقوف
على الأرصفة، والجلوس على أبواب المحلات ،ومنها الجلوس في الأسواق ،أو السير فيها،
ومنها الجلوس على شرفات المنازل المطلة على الشوارع ، ومنها الجلوس في أماكن
الاستراحة المطلة على الشوارع، ومنها السير بالسيارات، ومنها العمل الذي يكون محله
الطرقات.
فعَنْ
أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رضي الله عنه) عن النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ)، قَالَ: "إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ"،
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ
فِيهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):
"فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ
حَقَّهُ"، قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟، قَالَ: "غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ
الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ
الْمُنْكَرِ" (رواه مسلم)، وعن أَبي طَلْحَةَ (رضي الله عنه) قال: كُنَّا
قُعُودًا بِالْأَفْنِيَةِ نَتَحَدَّثُ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَقَامَ عَلَيْنَا فَقَالَ: "مَا لَكُمْ وَلِمَجَالِسِ
الصُّعُدَاتِ (أي الطرقات)، اجْتَنِبُوا مَجَالِسَ الصُّعُدَاتِ"، فَقُلْنَا
إِنَّمَا قَعَدْنَا لِغَيْرِ مَا بَاسٍ قَعَدْنَا نَتَذَاكَرُ وَنَتَحَدَّثُ
قَالَ: إِمَّا لَا فَأَدُّوا حَقَّهَا: غَضُّ الْبَصَرِ، وَرَدُّ السَّلَامِ،
وَحُسْنُ الْكَلَامِ" (رواه مسلم)، وفي رواية عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ (رضي
الله عنه) "وَتُغِيثُوا الْمَلْهُوفَ " (رواه أبو داود ). ولقد جمعها شيخ
الإسلام الحافظ ابن حجر (رحمه الله ) فقال:
جَمَعْتُ آدَابَ مَنْ رَامَ الْجُلُوسَ
عَلَى الطَّـ *** ـرِيقِ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ الْخَلْقِ إِنْسَانَا
أفْشِ السَّلَامَ وَأَحْسِنْ فِي الْكَــــلَامِ وَشَمِّـ *** ـتْ عَاطِسًا
وَسَلَامًا رُدَّ إِحْسَـــانَا
فِي الْحَمْلِ عَاوِنْ وَمَظْلُومًا أَعِــنْ وَأَغِثْ *** لَهْفَانَ اهْدِ
سَبِيلًا واهْدِ حَيْــــرَانَا
بِالْعُـــــرْفِ مُرْ وَانْهَ عَنْ نُكْرٍ وَكُفَّ أَذًى *** وَغُضَّ طَرْفًا
وَأَكْثِرْ ذِكْــرَ مَوْلَانَا
- فمن حق الطريق: غض البصر؛ حيث أمر الإسلام بغض البصر، ونهى عن إطلاقه في
الطرقات، يتقلب من هنا إلى هناك، قال تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ
أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ
خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ
وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) (النور: 30، 31) فالبصر هو أكبر الأبواب إلى
القلب، البصر هو أقرب الطرق إلى القلب، والعين مرآة القلب؛ لذلك يقول الحبيب النبي
(صلى الله عليه وسلمَ): "النَّظْرَةُ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ
إِبْلِيسَ مَسْمُومَةٌ فَمَنْ تَرَكَهَا مِنْ خَوْفِ اللَّهِ أَثَابَهُ (جَلَّ
وَعَزَّ) إِيمَانًا يَجِدُ حَلَاوَتَهُ فِي قَلْبِهِ".
وكما تناول الإسلام غض البصر عن المارة في
الطرقات، فإنه تناول غض البصر عن بيوت الناس، فبيت الرجل يستر بدنه كما تستره
ثيابه وهذا ما وجب أن يعلمه الكثير ممن يسيرون في الطرقات أو يجلسون فيها.
- ومن حق
الطريق: كفُّ الأذى؛ وكف الأذى يستوجب عدة أمور، منها:
نظافة الطريق: فمن الآداب الإسلامية الحفاظ على
النظافة في سائر ما يرتبط بالحياة التي يعيشها الإنسان المؤمن، سواء فيما يتعلق
بنفسه، أو فيما يتعلق بلباسه، أو بيته أو طريقه؛ فعن سعدٍ (رضي الله عنه) أن النبي
(صلى الله عليه وسلَّم) قال : "إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ
نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ
فَنَظِّفُوا أَفْنِيَتَكُمْ وَلا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ" (رواه الترمذي).
لقد اهتم الإسلام بنظافة الطريق اهتماماً بالغا
وعد نظافته سواء من القاذورات أو مما يعيق السير والمرور به شعبة من شعب الإيمان؛ فعَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ (رضي الله عنه)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلمَ):
"الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ - أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ - شُعْبَةً،
فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى
عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ" (رواه مسلم)، ومن محاسن الأعمال؛ فعَنْ أَبِي ذَر (رضي الله عنه)، عَنِ
النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلمَ)، قَالَ: "عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ
أُمَّتِي حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا، فَوَجَدْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا الْأَذَى
يُمَاطُ عَنِ الطَّرِيقِ، وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِي أَعْمَالِهَا النُّخَاعَةَ
تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ، لَا تُدْفَنُ" (رواه مسلم)؛ ومن الصدقات: فقد قال صَلى الله عليه وسلم:
"وَتمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ" ( رواه مسلم) ومن أعظم الأعمال التي ينتفع بها العبد؛ فعن
أَبي بَرْزَةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، عَلِّمْنِي شَيْئًا
أَنْتَفِعُ بِهِ، قَالَ: "اعْزِلِ الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ
الْمُسْلِمِينَ" (رواه مسلم) وتدبر معي كيف كان جزاء هذا الرجل الذى أخر غصن
شوك من الطريق إذ
يقول الحبيب النبي (صَلى الله عليه وسلم): "نَزَعَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ
خَيْرًا قَط غُصْنَ شَوْكٍ عَنِ الطَّرِيقِ إِمَّا كانَ في شَجَرَةٍ مُقَطَّعَةٍ
فَأَلْقَاهُ، وَإِمَّا كانَ مَوْضُوعًا فَأَمَاطَهُ فَشَكَرَ الله لَهُ بِهَا
فَأَدْخَلَهُ الجَنَّةَ"( البخاري ومسلم)
وكف الأذى لا يقف عند إماطة الأذى من الطريق، بل
معناه أوسع من ذلك فالأذى كلمة جامعة لكل ما يؤذي الناس من قول أو عمل أو غير ذلك وسواء كان ذلك في أبدانهم أو أموالهم أو
أعراضهم؛ وقد قال تعالى:
(وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا
فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) (الأحزاب: 58) وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو (رضى الله
عنهما)، عَنِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلمَ) قَالَ: "المُسْلِمُ مَنْ
سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا
نَهَى اللَّهُ عَنْهُ" (رواه البخاري) قال الإمام النووي (رحمه الله): "وَيَدْخُلُ
فِي كَفِّ الْأَذَى اجْتِنَابُ الْغِيبَةِ وَظَنِّ السُّوءِ وَإِحْقَارِ بَعْضِ
الْمَارِّينَ وَتَضْيِيقِ الطَّرِيقِ وَكَذَا إِذَا كَانَ الْقَاعِدُونَ مِمَّنْ
يَهَابُهُمُ الْمَارُّونَ أَوْ يَخَافُونَ مِنْهُمْ وَيَمْتَنِعُونَ مِنَ
الْمُرُورِ فِي أَشْغَالِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ لكونهم لا يجدون طريقا إلا ذلك
الْمَوْضِعِ".
إذن فمن الأذى
الغيبة، ونحو ذلك، وقد قال
تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ
إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا
أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ
وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ) (الحجرات: 12)، وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): "لَمَّا عُرِجَ بِي
مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمُشُونَ وُجُوهَهُمْ
وَصُدُورَهُمْ فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ" (رواه أبو داود).
ومن الأذى في
الطريق أيضا: تعمُّد استعمال
آلات التنبيه أو مكبرات الصوت بغير حاجة، بما يُقلق راحة السكان ويؤذي المارة،
وكذلك الوقوف بالمركبات في الأماكن الممنوعة، أو فوق الأرصفة وممرات المشاة، بما
يُعطِّل حركة السير، ويُضيِّق على الناس، ويعتدي على حقوقهم.
ومن الأذى في الطريق أيضا: حرقُ المخلفات الزراعية
أو النفايات بجوار الطرق؛ فإن الأدخنة المتصاعدة تحجب الرؤية، وتعرِّض قائدي المركبات
والقطارات لخطر الحوادث، فضلًا عما تُخلِّفه من أضرارٍ بيئية وصحية.
- كذلك من حق الطريق: إغاثة الملهوف، ومنه إرشاد الضال، وإعانة الرجل على دابته فيحمل
عليها، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ (صلى الله عليه وسلمَ): "كُلُّ سُلاَمَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ
صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ، يَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ
صَدَقَةٌ، وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا، أَوْ
يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ،
وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلاَةِ صَدَقَةٌ، وَيُمِيطُ الأَذَى عَنِ
الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ" (رواه البخاري).
- كذلك من حق الطريق: رد السلام على من تعرف
ومن لا تعرف، فقد قال
الله تعالى: (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ
رُدُّوهَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا) (النساء:86). وروى
البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص (رضي الله عنهما): أن رجلا سأل النبي
: أي الإسلام خير؟ قال: "تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف". ويقول صلَى الله عليه وسلم: "أَوَلاَ
أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلاَمَ
بَيْنَكُمْ"(مسلم).
- كذلك من حق الطريق: حسن الكلام: فلقد دعا
الإسلام إلى القول الطيب وجعله من علامات الإيمان؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رضي
الله عنه)، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ:
"مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا
أَوْ لِيَصْمُتْ"(متفق عليه).
- كذلك من حق الطريق: عدمُ التعدي عليه: روي
عنْ أبي بكرٍ المروزيِّ أنَّ شيخًا كانَ يجالسُ الإمامَ أحمدَ بنَ حنبلٍ (رحمهُ
اللهُ تعالى) ذا هيبةٍ، فكانَ أحمدُ يُقبلُ عليهِ ويكرمُهُ، فبلغَهُ عنهُ أنَّهُ
طيَّنَ حائطَ دارِهِ من خارجٍ. قالَ: فأعرضَ عنهُ في المجلسِ، فاستنكرَ الشيخُ
ذلكَ، فقالَ: يا أبا عبدِ اللهِ، هل بلغكَ عني حدثٌ أحدثتُهُ؟ قالَ: نعمْ، طيَّنتَ
حائطَكَ من خارجٍ. قالَ: ولا يجوزُ؟ قالَ: لا؛ لأنَّكَ قد أخذتَ من طريقِ
المسلمينَ أنملةً. قالَ: فكيفَ أصنعُ؟ قالَ: إما أنْ تكشطَ ما طيَّنتَهُ، وإما أنْ
تهدمَ الحائطَ وتؤخرَهُ إلى وراءِ مقدارِ إصبعٍ ثمَّ تطينَهُ من خارجٍ. قالَ:
فهدمَ الرجلُ الحائطَ وأخَّرَهُ إصبعًا ثمَّ طيَّنَهُ من خارجٍ. قالَ: فأقبلَ
عليهِ أبو عبدِ اللهِ كما كانَ.
إن الطريق ليس ممرا
للأقدام أو السيارات فحسب، بل هو ميدان تظهر فيه أخلاق الإنسان، وتنعكس فيه سلوكياته،
فما أكثر من يعرف بين الناس بأخلاق طيبة رأوها منه في الطريق قبل أن يسمعوا كلامه،
فأعطوا الطريق حقه، والتزموا آدابه، واجعلوا من طرقاتكم صورة مشرقة للأخلاق الحسنة
والسلوك الطيب.
* الخطبة الثانية *
إن من أعظم نعم الله
على الإنسان نعمةَ الوقت؛ فهو رأس ماله الحقيقي، ومزرعة آخرته، وميدان نجاحه في
دنياه، وما العمر إلا أيام، فإذا مضى يوم مضى بعض الإنسان، وها هي الإجازة الصيفية
قد أقبلت، وهي عند الفطن من الناس ليست موسمًا للكسل، ولا عنوانًا للبطالة، ولا
فرصةً لإضاعة الساعات أمام الشاشات، وإنما هي فرصةٌ ثمينة، ومنحةٌ ربانية، يغتنمها
الموفَّقون فيما يعود عليهم بالنفع في دينهم ودنياهم. فهي فرصةٌ للإقبال على كتاب
الله (عز وجل)؛ حفظًا، وتلاوةً، وتدبرًا، وعملًا، مع المحافظة على الصلوات في
أوقاتها، ولا سيما صلاة الجماعة في بيوت الله، والإكثار من الذكر والدعاء وسائر
القربات، حتى تظل القلوب عامرةً بالإيمان، والأرواح متصلةً بالرحمن، وهي كذلك
فرصةٌ لتنمية العقول، وصقل المواهب، واكتساب العلوم والمهارات؛ بقراءة الكتب
النافعة في السيرة النبوية، والتاريخ، والثقافة الإسلامية، واللغة العربية، وغيرها
من العلوم المفيدة، والالتحاق بالدورات التدريبية التي تُنمِّي القدرات في اللغات،
والبرمجة، والذكاء الاصطناعي، والمهارات الحياتية، فكلُّ علمٍ نافع، وكلُّ مهارةٍ
نافعة، هي لبنةٌ في بناء الإنسان. كما أنها فرصةٌ لتوثيق عُرى المودة، وتقوية
أواصر الأسرة، بصلة الأرحام، وبر الوالدين، وزيارة الأقارب، وإدخال السرور على الأهل
والجيران، فإن الأسرة المتماسكة هي أساس المجتمع القوي، وصلة الرحم سببٌ لبركة
العمر، وسعة الرزق، ورضا الرحمن.
.فاللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، واصرف عنا سيئها
واحفظ مصر من كل مكروه وسوء
=== كتبه ===
محمد حســــــن داود
إمام مسجد سيدي إبراهيم الدسوقي (رضي الله عنه).
دكتوراة في الفقه المقارن
لتحميــل الخطبة word رابط مباشر ----- اضغط هنا
لتحميــل الخطبة word رابط مباشر (نسخة أخرى) اضغط هنا
