خطبة
بعنـــــــــوان:
ولقد
كرمنا بني آدم
للدكتـــــور/ محمد حســــن داود
(20 ربيع الآخر ١٤٤٨هـ - 2أكتوبر 2026)
-
ولقد كرمنا بني آدم.
- صور من تكريم الله (عز وجل) للإنسان.
- نهي الإسلام لكل ما يذهب بمعاني تكريم الإنسان.
- إن أكرمكم عند الله أتقاكم.
- دعوة إلى تحقيق معاني تكريم الإنسان.
الموضـــــوع : الحمد لله رب
العالمين، الحمد لله الذي أحاط بكل شيء علما، له ما في السماوات وما في الأرض وما
بينهما وما تحت الثرى، نعمه لا تحصى، وآلاؤه ليس لها منتهى، وأشهد أن لا إله إلا
الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه
وحبيبه، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى
يوم الدين، وبعد
فلقد خص الله (عز وجل) الإنسان من بين
المخلوقات بتكريم ومنزلة وعطايا وهبات، وأعلن ذلك في كتابه العزيز، فقال تعالى:
(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا
تَفْضِيلًا) (الاسراء70).
فقيمة الإنسان عند الله عظيمة وغالية،
وليس ذلك التكريم مشروطا بدين أو لون أو عرق؛ قال عز وجل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ
إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ
لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ
عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات: 13)، ويقول النبي (صَلى الله عليه وسلم) "يَا
أَيُّهَا النَّاسُ، أَلاَ إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ،
أَلاَ لاَ فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلاَ لِعَجَمِيٍّ عَلَى
عَرَبِيٍّ، وَلاَ أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلاَ أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلاَّ
بِالتَّقْوَى"(رواه أحمد).
ولما مَرَّتْ جِنَازَةٌ بالنبي (صَلى
الله عليه وسلم) قَامَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ:
أَلَيْسَتْ نَفْسًا".
وعن أنس بن مالك (رضي الله عنه)، أَنَّ
رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ يُقَالُ لَهُ زَاهِرُ بْنُ حَرَامٍ كَانَ
يُهْدِي إلى النَّبِيِّ (صَلى الله عَلَيه وسَلم) الْهَدِيَّةَ فَيُجَهِّزُهُ
إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلى الله عَلَيه وسَلم):
"إِنَّ زَاهِرًا بَادِيَتُنَا وَنَحْنُ حَاضِرُوهُ"، قَالَ: فَأَتَاهُ
النَّبِيُّ (صَلى الله عَلَيه وسَلم) وَهُوَ يَبِيعُ مَتَاعَهُ، فَاحْتَضَنَهُ
مِنْ خَلْفِهِ وَالرَّجُلُ لَا يُبْصِرُهُ، فَقَالَ: أَرْسِلْنِي، مَنْ هَذَا؟
فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا عَرَفَ أَنَّهُ النَّبِيُّ (صَلى الله عَلَيه
وسَلم) جَعَلَ يُلْزِقُ ظَهْرَهُ بِصَدْرِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلى الله
عَلَيه وسَلم): "مَنْ يَشْتَرِي هَذَا الْعَبْدَ؟"، فَقَالَ زَاهِرٌ:
تَجِدُنِي يَا رَسُولَ اللهِ كَاسِدًا! فَقَالَ: "لَكِنَّكَ عِنْدَ اللهِ لَسْتَ
بِكَاسِدٍ"، أَوْ قَالَ (صَلى الله عَلَيه وسَلم): "بَلْ أَنْتَ عِنْدَ
اللهِ غَالٍ" (رواه ابن حبان).
وإننا إذا نظرنا في كتاب الله (عز وجل) وسنة نبيه (صلى اللهُ عليه
وسلم) لنرى شيئا من جوانب تكريم الله (عز وجل) للإنسان؛ لوجدنا منها:
- أن خلقه الله (عز وجل) بيده، ونفخ
فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، قال تعالى: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ
إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن
رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) (ص: 71- 72).
- خلقه في أكمل صورة وأحسن تقويم، قال
تعالى: (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) (غافر:64). وقال عز وجل: (لَقَدْ
خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (التين: 4).
- أكرمه بالنعم العظيمة التي لا تعد
ولا تحصى، قال تعالى: (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ
اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ)(النحل: 18).
- أمده بالعقل والسمع والبصر، ومنحه
النطق والفهم، قال تعالى: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا
تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (النحل: 78)، وقال: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ *
وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) (البلد: 8- 10). وقال:
(الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ *خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ)
(الرحمن 1 –4).
- استخلفه في الأرض، قال تعالى:
(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)
(البقرة: 30).
- وسخر له الكون كله؛ قال تعالى:
(وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الجاثية: 13).
- أرسل له الرسل، قال تعالى: (رُسُلاً
مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ
بَعْدَ الرُّسُلِ) (النساء: 165).
- تفضل عليه فجعل جزاء العمل الصالح
مضاعفا، قال تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ
جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)
(الأنعام: 160)، وفتح باب التوبة لمن كان عمله غير صالح، قال تعالى: (وَهُوَ
الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ
وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) (الشورى: 25).
إن من تكريم الإسلام للإنسان أن جعل حرمته مصونة: دمه وماله وعِرضه، فقال النبي (صلى الله عليه وسلامَ): "فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ
وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ
هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا" وجعل الاعتداء على أية نفس اعتداء على الإنسانية كلها، كما كان تقديم
الخير لنفس كتقديم الخير للبشرية كلها، قال تعالى: (مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا
عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ
فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا
فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) (المائدة32). فكان أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا
مع الناس، واحتراما لهم، إذ يقول النبي (صلى الله عليه وسلمَ) "أَكْمَلُ
المُؤمِنِينَ إِيمَاناً أَحسَنُهُم خُلُقاً" (رواه أبو داود).وأفضل الإسلام،
بل وتمامه، أن يسلم الناس من يد العبد ولسانه، فعن عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرِو بْنِ
الْعاصِ (رضي الله عنه) إِنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ
الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ
وَيَدِهِ"(رواه أحمد).
ولم يقف النهي عند الإيذاء المادي؛ بل
يشمل النهي كل إيذاء حتى لو كان معنويا أو حتى كان بالإشارة، فقد قال تعالى: (يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا
خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ
وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ
الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
) (الحجرات11) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) " بحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يَحْقِرَ أخاهُ
المُسْلِمَ" (رواه مسلم)، وتدبر قوله صلى الله عليه وسلمَ "إِذَا
كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ صَاحِبِهِمَا، فَإِنَّ ذَلِكَ
يُحْزِنُهُ" وقد جاء أن ابن مسعود (رضي الله عنه) كان على شجرة فهبت الريح
فكشفت ساقيه فضحك الصحابة من دقتهما، أي من نحالتهما، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): "مَا يُضْحِكُكُمْ" ؟ قَالُوا:
دِقَّةُ سَاقَيْهِ . قَالَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ منْ أُحُدٍ
". وعن أبي هُرَيْرَةَ، أن النبي (صلى الله عليه وسلمَ) قال: "مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ،
فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ، حَتَّى يَدَعَهُ وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ
لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ" ( رواه مسلم) وقد جاء أن بعض الصحابة كَانُوا
يَسِيرُونَ مَعَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَنَامَ رَجُلٌ
مِنْهُمْ ، فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى حَبْلٍ مَعَهُ، فَأَخَذَهُ فَفَزِعَ،
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم)َ: "لَا يَحِلُّ
لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا ".
ولم يقتصر الأمر في تكريم الإنسان حال
حياته، بل يمتد ليكون بعد مماته، فعَنْ أم المؤمنين عَائِشَةَ (رضي الله عنها) قَالَتْ:
قَالَ رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):"كَسْرُ عَظْمِ
الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا"(رواه ابن ماجه)، ومنه أيضا أن نهى النبي عن
الجلوسِ على القبرِ فقال صلى اللهُ عليه وسلم :"لأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ
عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ، فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ؛ خَيْرٌ لَهُ
مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ" (رواه مسلم) .وفي النهي عن سب الأموات يقول
صلى الله عليه وسلمَ: "لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ
أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا" (رواه البخاري).
إن المعيار الحقيقي للتفاضل بين الناس هو التقوى والعمل الصالح قال تعالى: (یَٰۤأَیُّهَا
ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرࣲ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبࣰا
وَقَبَاۤئِلَ لِتَعَارَفُوۤا إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ} (الحجرات:
١٣). وقال سيدنا النبي صَلى الله عليه وسلم:
"إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ
يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ" (رواه مسلم) والعباد لا يعلم
أحوالهم إلا الله (عز وجل)، إذ يقول النبي (ًصلى الله عليه وسلمَ): "رُبَّ
أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى
اللهِ لَأَبَرَّهُ". وعَنْ
سيدنا سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ (رضي الله عنه) أَنَّهُ قَالَ:
"مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)،
فَقَالَ لرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ: " مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا ؟ " ،
فَقَالَ : رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ ، هَذَا وَاللَّهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ
أَنْ يُنْكَحَ ، وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ آخَرُ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ
اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : " مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟
" ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ
المُسْلِمِينَ ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لاَ يُنْكَحَ ، وَإِنْ شَفَعَ
أَنْ لاَ يُشَفَّعَ ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لاَ يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ ، فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : "هَذَا خَيْرٌ مِنْ
مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا " (رواه البخاري).
إن حفظ كرامة الإنسان ليس كلمات تقال،
ولا عبارات تردد، وإنما هو خلق يظهر في معاملتنا للناس، وفي حديثنا عنهم، وفي
مواقفنا معهم؛ فكرامة الإنسان أمانة، ومن حفظها فقد حفظ خلقا عظيما من أخلاق
الإسلام. فاحفظ لسانك عن أن تجرح إنسانا بكلمة، أو تسخر منه لهيئته، أو فقره، أو
ظروفه؛ فما يدريك؟ لعل من تستهين به عند الله أكرم منك.
واجبروا خواطر الناس، فإن الكلمة
الطيبة قد ترفع مهموما، والبسمة الصادقة قد تواسي مكلوما، والشكر الجميل قد يحيي
في النفس أملا، والتقدير الصادق قد يدفع إنسانا إلى مزيد من العطاء؛ فلا تبخلوا
على الناس بكلمة طيبة، ولا تستكثروا عليهم ثناء مستحقا، ولا تنسوا فضل من أحسن
إليكم، ولا جميل من وقف بجانبكم.
واستروا عيوب الناس، ولا تجعلوا من
زلاتهم مجالس للسمر، ولا من أخطائهم حديثا تتناقله الألسن؛ وأكرموا المحتاج إذا
أعطيتموه، وأعينوا الضعيف إذا ساعدتموه، واحذروا أن تتحول الصدقة إلى إذلال، أو
المساعدة إلى منّ وأذى؛ فليس الإحسان أن تعطي الإنسان ثم تكسره، ولا أن تطعمه ثم
تجرحه، وإنما الإحسان أن تمد إليه يد العون وتحفظ له ماء وجهه، وتستر حاجته، وتصون
كرامته.
عباد الله، إن كرامة الإنسان يحفظها
قلب يعرف الله، ولسان يخاف الله، وضمير يراقب الله؛ فطوبى لمن خرج الناس من عنده
وقد حفظ كرامتهم، وجبر خواطرهم، وأشعرهم بقيمتهم؛ فإن من أحب أن يكرمه الله،
فليكرم عباد الله، ومن أراد أن يحفظ الله له قدره، فليحفظ للناس أقدارهم.
اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق واصرف عنا
سيئها
واحفظ اللهم مصر من كل مكروه وسوء
=== كتبه ===
محمد حســـــــن داود
إمام مسجد سيدي إبراهيم الدسوقي (رضي الله عنه)
دكتوراة في الفقه المقارن
لتحميــل الخطبة word رابط مباشر (نسخة أخرى) اضغط هنا