recent
آخر المشاركات

خطبة بعنــــوان: وأعــــــــدوا للدكتـــــور/ محمد حســــن داود (27 ربيع الآخر 1448هـ - 9 أكتوبر 2026م)

 

خطبة بعنــــوان:
وأعــــــــدوا
للدكتـــــور/ محمد حســــن داود
(27 ربيع الآخر 1448هـ - 9 أكتوبر 2026م)



العناصــــــر:      
- أمر الإسلام بإعداد العدة أخْذًا بأسباب القوة.
- الأخذ بأسباب القوة صور ونماذج.
- الأخذ بأسباب القوة من منهج الأنبياء (عليهم السلام).
- مواجهة التشكيك في قيمة ومكانة الوطن.
- نصر أكتوبر المجيد.

الموضوع: الحمد لله رب العالمين، الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، ملء السماوات والأرض، وملء ما شاء ربنا من شيء بعد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، إمام المتقين وسيد المتوكلين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد

إن الناظر في كتاب الله (عز وجل) وسنة نبيه (صَلى الله عليه وسلم): يجد دعوة الإسلام إلى الأخذ بالأسباب في كل الأمور؛ قال تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (التوبة: 105)، ومن ذلك أن أكد الإسلام على الأخذ بجميع أساب القوة في مواجهة التحديات، قال تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) (الأنفال: 60)، وقد جاء لفظ (قُوَّةࣲ) نكرةً في سياق الأمر؛ بما يدل على سعة مدلولها وتنوع صورها بحسب ما تحتاج إليه الأمة، فالشرع الشريف يبني في النفوس معنى القوة الشاملة: قوة الإيمان، وقوة العلم، وقوة الطاعة، وقوة النفس، وقوة البدن، وقوة الروح، وقوة العزيمة، وقوة العقل، وقوة الاقتصاد، وغير ذلك. كما جاء قوله: (مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم) ليجعل الإعداد مرتبطًا بالقدرة والإمكان.

- فلقد دعانا الإسلام إلى الأخذ بجميع أسباب القوة البشرية فالقوة في مفهومها الواسع لا تقوم إلا بمن يحملها ويوجهها، والإنسان هو أصل كل قوة وميدانها الأول؛ وفي هذا نجد قوله تعالى: (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتعمَرَكُمْ فِيهَا) وقول النبي (صلى اللهُ عليه وسلم): "لَأَنْ يَأخُذَ أَحَدُكُم حَبلَهُ، فيَحتَطِبَ عَلَى ظَهرِه خَيرٌ لَهُ مِن أَن يَسأَلَ النَّاسَ" (رواه البخاري)، وقوله: "ما أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ" (رواه البخاري) في إشارة إلى أن القوى جميعها تحملها وتقوم عليها القوة البشرية، وما أعظم قول سيدنا الحبيب النبي (صلى الله عليه وسلمَ): "المؤمنُ القَوِيُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ".

ومن اهتمام القرآن الكريم بالقوة البشرية البدنية حدثنا عنها في قصة ذي القرنين، حين قال لقوم من الأقوام: (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ) (الكهف: 95).  كما حدثنا عن قوة موسَى (عليهِ السلام)، قال تعالى: ( قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ) (القصص: 62)، عن ابنِ عباسٍ، قال: "(قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأمِينُ ) (القصص: 62)، قال: فأحفظتْهُ الغَيْرةُ أنْ قالَ: وما يدريكِ ما قوّتُهُ وأمانتُهُ؟ قالتْ: أمّا قوّتُهُ، فما رأيتُ منهُ حين سقَى لنا، لم أرَ رجلًا قط أقوىَ في ذلك السقيِ منه. وأمَّا أمانتُهُ، فإنَّه نظرَ حين أقبلتُ إليهِ وشخصتُ لهُ، فلمَّا علمَ أنِّي امرأةٌ صوّبَ رأسَهُ فلم يرفعْهُ، ولم ينظرْ إليَّ حتى بلغتهُ رسالتَكَ"(تفسير الطبري). من جانب آخر فإن من معاني القوة البشرية: الاتحادِ، والاصطفافِ والتماسك فقد قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا وذلك عن طريقِ تَفَرَّقُوا).

- كما دعانا الإسلام إلى الأخذ بجميع أسباب القوة الاقتصادية، قال تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (الملك:15). ولما جاء رجل من الأنصار يسأل النبي (صَلى الله عليه وسلم)، كان التوجيه إلى العمل والسعي والكسب في إشارة قوية عظيمة إلى الأخذ بأسباب القوة الاقتصادية؛ إذ قَالَ له النبي (صَلى الله عليه وسلم):" أَمَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ؟" قَالَ: بَلَى، حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ، وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ، قَالَ: "ائْتِنِي بِهِمَا"، قَالَ: فَأَتَاهُ بِهِمَا، فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، بِيَدِهِ، وَقَالَ: "مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ؟" قَالَ رَجُلٌ: أَنَا، آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ، قَالَ: "مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ مَرَّتَيْنِ، أَوْ ثَلاثًا"، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ، وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ وَأَعْطَاهُمَا الأَنْصَارِيَّ، وَقَالَ: "اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ، وَاشْتَرِ بِالآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ"، فَأَتَاهُ بِهِ، فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)،عُودًا بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: "اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَبِعْ، وَلا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا"، فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ، فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ، فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا، وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):"هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".

وهذا كان أيضا منهج الصحابة والتابعين، فلما رأى عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) البعض قابعين في المسجد ينتظرون الرزق قال:" لا يقعدن أحدكم عن طلب الرزق، ويقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضةً، وإن الله تعالى يقول: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الجمعة:10). يروى أن شقيقاً البلخي، ذهب في رحلة تجارية، وقبل سفره ودع صديقه إبراهيم بن أدهم، حيث يتوقع أن يمكث في رحلته مدة طويلة، ولكن لم يمض إلا أيام قليلة حتى عاد شقيق ورآه إبراهيم في المسجد، فقال له متعجباً: ما الذي عجّل بعودتك؟ قال شقيق: رأيت في سفري عجباً، فعدلت عن الرحلة، قال إبراهيم: خيراً ماذا رأيت؟ قال شقيق: أويت إلى مكان خرب لأستريح فيه، فوجدت به طائراً كسيحاً أعمى، وعجبت وقلت في نفسي: كيف يعيش هذا الطائر في هذا المكان النائي، وهو لا يبصر ولا يتحرك؟ ولم ألبث إلا قليلاً حتى أقبل طائر آخر يحمل له العظام في اليوم مرات حتى يكتفي، فقلت: إن الذي رزق هذا الطائر في هذا المكان قادر على أن يرزقني، وعدت من ساعتي، فقال إبراهيم: عجباً لك يا شقيق، ولماذا رضيت لنفسك أن تكون الطائر الأعمى الكسيح الذي يعيش على معونة غيره، ولم ترض أن تكون الطائر الآخر الذي يسعى على نفسه وعلى غيره من العميان والمقعدين؟ أما علمت أن اليد العليا خير من اليد السفلى؟ .

- كما دعانا الإسلام إلى الأخذ بجميع أسباب القوة العلمية، ولذلك ترى الأمر بالعلم في القرآن الكريم مقرونًا بالجد والاجتهاد، قال تعالى: (يَـا يَحيَى خُذِ الكِتَابَ بِقُوَّةٍ) (مريم: ١٢)، ولقد كان أول خطاب للوحي: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) (العلق: ١)، وما وجدنا في كتاب الله أمرا للنبي بطلب الاستزادة من شيء كما وجدناه في العلم؛ قال تعالى: (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) (طه: 114) فبه تتفاضل الناس، كما تتفاضل به الأمم؛ فقد قال تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ) (الزمر: 9) ولله در القائل :

العلم يرفع بيوتا لا عماد لها *** والجهل يهدم بيوت العز والكرم

فالقوة العلمية من مقومات الحياة في المجتمع، ولا يمكن أن تبنى حضارة دون أن يكون أحد أركانها العلم؛ ولله در من قال:

بالعلم والمال يبني الناس ملكهم  ***لم يبن ملك على جهل وإقلال

فبالعلم تتطور الأمم والمجتمعات وتنهض وتتقدم؛ وإن الناظر في تاريخ الأمم قديمها وحديثها، يلحظ أن تحضرها ورقيها كان مرتبطا بالعلم ارتباطا وثيقا؛ فالعلم ابتكار وتطوير.

ومن ثم فإن القوة العلمية لا تقف عند العلوم الشرعية، بل إن القوة العلمية تتمثل في كل علم نافع في جميع المجالات التي فيها مصلحة البشرية، وتيسير أمور حياتها؛ كالطب والهندسة والكيمياء، والرياضيات، والميكانيكا، وعلوم الحاسوب والتكنولوجيا، والبناء، والملاحة ... الخ ؛ فحينما مدح الله (سبحانه وتعالي) داود وسليمان (عليهما السلام) في القرآن بالعلم، فقال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ) (النمل: 10) لم يقتصر هذا على الدين فحسب؛ بل كان منه صناعة الحديد ومنه منطق الطير، كما قال تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ) (النمل: 16)، كما أن قوله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) (فاطر: 28) جاء في معرض الحديث عن العلوم الكونية، إذ يقول الله (سبحانه وتعالى): (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ) (فاطر: 27-28) مما يدل على اهتمام الإسلام ودعوته إلى العلم النافع في جميع المجالات.

- فيما ينبغي أن نعلم أن القوة الإيمانية، القوة النفسية لها دور عظيم في حياة الإنسان؛ فالمؤمن يثبت دائما في وجه التحديات.

- وفي قوله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) دعوة إلى الاهتمام بالقوة العسكرية وحماية الوطن والدفاع عنه؛ فعن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلى الله عليه وسلم) وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ " (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلاَ إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ" وإطلاق الرمي في الحديث يشمل كل ما يُرمى به العدو من أسلحة، في إشارة واضحة جلية إلى الاهتمام بهذا الجانب من القوة؛ يقول ابن عباس (رضي الله عنهما): "القوة هاهنا السلاح والقِسِيّ ".

القوة الأخلاقية: إذ إن الأخلاق الحسنة الطيبة من صدق وأمانة... وغير ذلك من مكارم الأخلاق لهي أساس عظيم لبناء الوطن فالسلوك الحسنة من شأنها أن تبني مجتمعًا قويا متماسكا لا تنال منه يد الأعداء، وما أجمل قول الشاعر:

إنّما الأمم الأخلاق ما بقيت** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

وحرى بنا أن نذكر أن الأخلاق التي تبنى بها الأوطان لا تشمل ترويج الشائعات والأراجيف والأباطيل؛ فقد قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (النور19) بل إن السلوك التي نحتاج إليها هي التي تبنى ولا تهدم، فليكن منهج كل واحد منا عند الحديث قول الرسول (صلى الله عليه وسلمَ) "وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ".  وليكن منهج كل واحد منا في سمعه قول الله (عز وجل) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات6)

إننا إذا تدبرنا حال الأنبياء (عليهم الصلاة والسلام) لوجدنا أن الأخذ بأسباب القوة في مواجهة التحديات من نهجهم وسنتهم: فهذا داود (عليه السلام) يصنع من الحديد الدروع والسيوف أخذا بأسباب القوة، قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا ۖ يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ۖ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (سبأ: 10-11). وهذا سيدنا نوح (عليه السلام) أمره ربه (تبارك وتعالى) بإعداد سفينة عملاقة، في توجيه إلهي إلى الأخذ بالأسباب للنجاة من الغرق، قال تعالى: (وَاصنَعِ الفُلكَ بِأَعيُنِنا وَوَحيِنا وَلا تُخاطِبني فِي الَّذينَ ظَلَموا إِنَّهُم مُغرَقونَ) (هود: 37). وها هو الحبيب النبي (صلى اللهُ عليه وسلم) لم يترك الأخذ بأسباب القوة في أموره جميعها؛ ومن ذلك غزواته: ففي بدر يأخذ بمشورة الحباب بن المنذر، وفي الأحزاب يأخذ بمشورة سلمان الفارسي في حفر الخندق، وفي أُحد ظَاهَرَ بينَ دِرْعَيْنِ (والأمثلة كثيرة).

 

إن من أعظم النعم أن يكون للإنسان وطن يعيش تحت ظلاله، ويتنفس هواءه، يجد فيه معنى السكينة، وحقيقة الطمأنينة، يفرح ويفتخر بتاريخه وحضاراته وانتصاراته، وفي دلالة على مكانة هذه النعمة وقدرها ساوى القرآن الكريم بين خروج الجسد من الوطن وخروج الروح من الجسد، إذ قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ) (النساء: 66). قال الإمام الرازي (رحمه الله تعالى) في (مفاتيح الغيب): "جعل مفارقة الأوطان معادلةً لقتل النفس" ولنتدبر جيدا في بيان قدرها ومكانتها قول رسول الله (صَلى الله عليه وسلم): "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بحذافيرها " (رواه البخاري في الأدب المفرد).وإننا لنجد في سيرة رسول الله (صَلى الله عليه وسلم) أسمى الأمثلة لحب الوطن، وترجمته في الواقع عملا وبناء، حماية ودفاعا وتضحية، فلقد وجه المصطفى (صلى الله عليه وسلمَ) إلى إجادة الانتماء للوطن، وحسن الولاء له، وإخلاص الوفاء له، داعيا إلى ترجمة هذا الحب إلي عمل وجد، من أجل الوطن، وحفاظ عليه، ودفاع عنه؛ إذ يلقى درسا بليغا يقرع كل الآذان، ويتردد صداه في كل زمان ومكان، وذلك عندما خرج مهاجرا، ووصل أطراف مكة، التفت إليها، وقال: "مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وَأَحَبَّكِ إِليَّ، وَلَوْلاَ أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُوُنِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ".

لقد كان النبي (صلى الله عليه وسلمَ) يعيش معاني حب الوطن والانتماء إليه بكل وجدانه وجوارحه؛ فعن أَنَس بْن مَالِكٍ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ)، أنه قَالَ: "كَانَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلمَ) إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَأَبْصَرَ دَرَجَاتِ المَدِينَةِ أَوْضَعَ نَاقَتَهُ - أَيْ أَسْرَعَ بِهَا - وَإِنْ كَانَتْ دَابَّةً حَرَّكَهَا ".

يا له من حب، ويا له من وفاء، ويا له من انتماء، فللمولى (سبحانه) الحمد على نعمة الوطن، هذه النعمة التي لا تقدر بالأموال، ولا تساوم بالأرواح، بل تبذل الأموال لأجلها وترخص الأرواح في سبيل الدفاع عنها، فالموت في سبيل الوطن عزة وكرامةٌ وشهامةٌ وشجاعةٌ ورجولةٌ وشهادةْ، والمخلصون يؤمنون بعظم حق الوطن وبضرورة تقديم كل ما بوسعهم، وبأقصى جهدهم، وبأعظم طاقتهم، لخدمة الوطن وبنائه، وحمايته، والدفاع عنه.

إن في التاريخ أياما خالدة لا تنسى، وعلى رأسها يوم السادس من أكتوبر عام ألف وتسعمائة ثلاث وسبعين، فمهما مرت الأيام وتعاقبت السنين سيظل نصر أكتوبر المجيد فخرا لنا، تاجا على رؤوسنا، وساما على صدورنا، حيث كان توفيق الله (سبحانه وتعالى) لأبطال قواتنا المسلحة فحققوا نصرا عظيما، وتوجوا البلاد والعباد بتاج النصر، وحطموا آمال المعتدي، وأثبتوا للعالم كله أنه لا تهاون مع معتدي مهما كان اسمه أو رسمه.

وإننا مهما مرت الأيام وتعاقبت السنين لن تنسى أبدا قلوبنا من المحبة وألسنتا مع قلوبنا من الدعاء شهداء أكتوبر المجيد، من قدموا أرواحهم من أجل حرية البلاد، من رووا بدمائهم أرض الوطن دفاعا عن الأرض والعرض، ورغبة في عزة البلاد، و كرامة العباد، ولا شك أن من أقل حقوقهم علينا جميعا تخليد أسماءهم، وذكراهم، ليس في سجلات التاريخ فحسب، بل في كل قلب وعلى كل لسان، ليس من قبيل سرد البطولات التي قاموا بها فحسب، بل أيضا من أجل أن يكونوا نموذجا للاقتداء بهم، وحافزا للأجيال بعدهم على التضحية من أجل الوطن، ورفعته، وتقدمه، فقد اختاروا أرفعَ المقامات، وأعظم الدرجات، وإن كان أغلى ما يملكه الإنسان روحه التي بين جنبيه، فقد قدموها دفاعا عن الوطن، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة: 111)، فما أعظم ما قدموا وما أعظم ما ربحوا.

=========

كتبه محمد حسن داود

 

 لتحميــل الخطبة  word   رابط مباشر  -----      اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة  word   رابط مباشر (نسخة أخرى) اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة     pdf   رابط مباشر     -----      اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة  word   جوجل درايف    -----       اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة  word جوجل درايف (نسخة أخرى) اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة  pdf    جوجل درايف      -----       اضغط هنا 

 

google-playkhamsatmostaqltradent