recent
آخر المشاركات

خطبة بعنوان :حماية الأوطان بين فرض العين وفرض الكفاية للشيخ / محمد حســـــن داود



خطبة بعنوان :
حماية الأوطان بين فرض العين وفرض الكفاية
للشيخ / محمد حســـــن داود
 


 لتحميل الخطبة : word إضغط هنا
 لتحميل الخطبة : pdf   إضغط هنا
الموضـــــوع :
الحمد لله رب العالمين، القائل في كتابه العزيز (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) التوبة190 ) وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله،القائل في حديثه الشريف "عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ الله، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ الله" رواه الترمذي وحسنه) اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين،
وبعد
إن من أعظم النعم، أن يكون للإنسان وطن يعيش تحت ظلاله، ويتنفس هواءه، يجد فيه معنى السكينة، وحقيقة الطمأنينة، فيه تتصل أمجاد الأجداد بالأحفاد، وتتلاحم قلوب الأهل والأحباب، فالوطن نعمة جليلة ومنة عظيمة؛ من أراد أن يعرف علو قدرها وسمو مكانتها، فلينظر في كتاب الله جل وعلا، فقد قرن خروج الجسد من الوطن بخروج الروح من الجسد، قال تعالى(وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً ) النساء66) من أراد أن يعرف علو قدرها وسمو مكانتها، فلينظر إلى حال من فقدها، وليتدبر قيمتها في ميزان من حرمها، فهي مهد الصبا ومدرج الخطى ومرتع الطفولة، وملجأ الكهولة، ومنبع الذكريات، وموطن الآباء والأجداد، ومأوى الأبناء والأحفاد، فكم زلزلت بحب الأوطان مكامن وجدان، وأطلق حبها قرائح شعراء، و سكبت في حبها محابر أدباء، وضحى من اجلها بالغالي والنفيس الأوفياء، ولقد جاء في (البخاري ومسلم) عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في الرقية: " باسم الله، تُرْبَةُ أَرْضِنا، ورِيقَةُ بَعْضِنا، يَشْفَى سقيمُنا بإذن ربنا " ولقد اثر، أن العرب كانت إذا غزتْ وسافرتْ حملتْ معها من تُربة بلدها رملاً وعفراً تستنشقه عند نزْلةٍ أو زكام أو صُداع "الرسائل للجاحظ) ياله من حب، وياله من وفاء، وياله من انتماء، فللمولى سبحانه وتعالى الحمد على نعمة الوطن، هذه النعمة التي لا تقدر بالأموال، ولا تساوم بالأرواح، بل تبذل الأموال لأجلها وترخص الأرواح في سبيل الدفاع عنها، فان محبة الأوطان والحفاظ على أمانتها ليست شعارات مجردة، ولا عبارات جوفاء، بل لا بد أن تتغلغل في القلب إيمانا، وتسكن في النفس اقتناعا، وتترجمها الجوارح والطاقات سلوكا وعملا، فالمخلصون يؤمنون بضرورة تقديم كل ما بوسعهم، وبأقصى جهدهم، وبأعظم طاقتهم، لخدمة الوطن وبنائه، وحمايته، والدفاع عنه ، والتضحية بالمال والنفس في سبيل أمنه واستقراره، أولئك لهم بشرى الله جل وعلا في قوله (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )التوبة111)
وإننا لنجد في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أسمى الأمثلة لحب الوطن المتعمق في القلب، ولترجمته في الواقع عملا وبناء،حماية ودفاعا وتضحية، فلقد وجه المصطفى صلى الله عليه وسلم البشرية عامة وبخاصة أهل الإسلام أن يجيدوا للوطن الانتماء ،وأن يحسنوا له الولاء, وان يخلصوا له الوفاء، داعيا إياهم أن يترجموا حبهم للوطن الذي يظلهم ويحتضنهم، إلي عمل وجد، وحفاظ عليه ودفاع عنه ضد قوى الشر؛ ويظهر ذلك جليا في فعل المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ إذ يلقى درسا بليغا يقرع كل الآذان، ويتردد صداه في كل زمان ومكان, وذلك عندما خرج صلى الله عليه وسلم مهاجرا، ووصل أطراف مكة، التفت إليها، وقال "وَاللهِ إِنَّي أَعْلَمُ أَنَّكِ خَيْرُ أَرْضِ اللهِ وَأَحَبَّهَا إِلَى اللهِ، وَلَوْلاَ أَنَّ أَهْلَكِ أَخْرَجُوُنِي مِنْكِ مَا خَرَجْتُ"وفي رِوَاية "مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وَأَحَبَّكِ إِليَّ، وَلَوْلاَ أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُوُنِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ"، بل انظر إلى حاله صلى الله عليه وسلم حينما وطأت قدمه وطنه الثاني (المدينة) إذ يتوجه إلى الله داعيا أن يحبب إليهم المدينة كما حبب إليهم مكة ، كما في صحيح البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ، كَمَا حَبَّبْتَ إِلَيْنَا مَكَّةَ، أَوْ أَشَدَّ " وها هو النبي صلى الله عليه وسلم يعيش هذا الحب والانتماء الوطني بكل وجدانه وجوارحه؛ إذ يشتاق إليه إن غاب عنه ، فعن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- انه قَالَ" كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَأَبْصَرَ دَرَجَاتِ المَدِينَةِ أَوْضَعَ نَاقَتَهُ – أَيْ أَسْرَعَ بِهَا- وَإِنْ كَانَتْ دَابَّةً حَرَّكَهَا "، يبرم وثيقة المدينة (معاهدة الدفاع المشترك) بينه وبين غير المسلمين من الطوائف التي كانت تسكن المدينة بهدف الدفاع عن الوطن، والحماية له من أي عدو يناوئه أو أي خطر يتهدده، يضحى بالغالي والنفيس في سبيل أمنه واستقراره فعَنْ أَنَسٍ ، قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ المَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ ، فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ ، فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ ، وَهُوَ يَقُولُ : لَنْ تُرَاعُوا لَنْ تُرَاعُوا وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ ، فِي عُنُقِهِ سَيْفٌ ، فَقَالَ : لَقَدْ وَجَدْتُهُ بَحْرًا . أَوْ : إِنَّهُ لَبَحْرٌ " والمتدبر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، يجد أن جميع الغزوات التي شارك فيها كانت حماية للوطن ودفاعا عنه وعن استقراره وأمنه وأمانه، وردا لعدوان أعدائه وإبطالا لحيلهم ومكرهم، قال تعالى (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ) التوبة190) ففي غزوة الخندق اجتمعت الأحزاب من كل حدب وصوب لحصار المدينة والإغارة عليها فكان القتال دفاعا عن النفس والوطن والعرض . وفي غزوة أحُد؛ أراد المشركون أن يستبيحوا حرمة المدينة وان يعتدوا على المسلمين في وطنهم؛ فكان الدفاع عن الأرض والعرض ردا للعدوان وحماية للوطن.
إن المسلم الحقيقي يكون وفيا أعظم ما يكون الوفاء لوطنه، مستعدا للتضحية دائما في سبيله بنفسه ، محبا أشد ما يكون الحب له، حب أجل وأسمى من أن ترتقي إليه شبهة أو شك؛ قيل لأعرابي: كيف تصنعون في البادية إذا اشتد القيظ ( الحر)حين ينتعل كل شيء ظله؟ قال: "يمشي أحدنا ميلا، فيرفض عرقا، ثم ينصب عصاه، ويلقي عليها كساه، ويجلس في فيه يكتال الريح، فكأنه في إيوان كسرى". أي حب هذا؟ وهو يلاقي ما يلاقي، يجعله يقول: أنا في وطني بهذه الحالة ملك مثل كسرى في إيوانه .
إن حقوق الوطن في الحفاظ عليه وحمايته والدفاع عنه، ليست كلمات ترددها الألسنة ،أو شعارات نهتف بها ،أو لافتات نرفعها ،بل أفعال و واجبات علينا جميعا أن نقوم بها ،أن نسعى من اجل تحقيقها؛ فخدمة الوطن مرتبطة بعمل الفرد وسلوكه ارتباطا لا انفكاك منه, يلازمه في كل مكان؛ في حله وترحاله, في المنزل والشارع ومقر العمل، فتظهر حماية الوطن في المحافظة على منشآته ومنجزاته ، في القيامُ بالواجبات والمسئوليّات، في احترام ثقافته، والمحافظة على مرافِقه ومواردِ الاقتصادِ فيه، والحِرص على مكتسَباته وعوامِل بنائه ،تظهر في إخلاص كل عامل في عمله ، في نشر القيم والأخلاق الفاضلة ،ونشر روح التسامح والمحبة، تظهر بالعمل والكسب والإنتاج من اجله ، بالمشاركة الايجابية في بنائه، تظهر في تضافر الجهود من اجل رفعته، في التنافس في خدمته كل حسب طاقاته وقدراته، تظهر حماية الوطن في احترام أنظمته وقوانينه, وطاعة ولى الأمر؛ فقد قال رسول الله صلي الله عليه وسلم" مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي" رواه البخاري) .
تظهر حمايته، في التصدي للشائعات والأراجيف والأباطيل التي يقصد بها ملء القلوب من الفتن والمصائب، وشحْن القلوب بالأحقاد والبغضاء على المجتمع والتشكيك في الانجازات، والبناء والتعمير ،غاية هذا أن تملأ قلوب الناس حقداً على وطنها، وحقداً على أمنها؛ وحقداً على ولاتها ليرى أصحاب هذه الشائعات والافتراءات في المجتمع تفككاً، وتناحرا، ومن ثم نقول : إن مروج الشائعات لئيم الطبع، مريض النفس، منحرف التفكير، عديم المروءة، ترسب الغل في أحشائه، ساع في الأرض بالفساد، للبلاد والعباد؛ وقد قال تعالى (وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ *الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ) الشعراء 151/152) فلزم علينا الحذر أن نكون ممن يعاونهم دون أن ندرى، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ". فليكن منهج كل واحد منا عند الحديث قول الرسول صلى الله عليه وسلم "وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ". وليكن منهج كل واحد منا في سمعه قول الله عز وجل(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)الحجرات6.
تظهر حماية الوطن والحفاظ عليه في المحافظة على الوحدة بين أبناء الوطن، فالجميع متساوون في الحقوق والواجبات، مهما اختلفت الألوان أو حتى العقائد؛ فمما لا شك فيه أن الأديان بحكم انتمائها إلى السماء لا تأمر إلا بالخير والصلاح، ولا تدعو إلا إلى البر والحب والإحسان، ولا توصي إلا بالأمن والسلم والسلام، وما كانت يوما في حد ذاتها عائقا أمام التعايش والتماسك والترابط، وإنما العائق: هو وهم يكمن في عقول سفهاء الأحلام أحداث الأسنان الذين يتوهّمون أنهم يمتلكون الفهم المطلق، والعلم الذي لم يأت به احد قبلهم، فضلوا وأضلوا بأفكارهم الخاطئة وافهماهم المنحرفة،إذ يقول الحق سبحانه ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ )الحجرات13)ولقد خطب النبي في حجة الوداع خطبة جامعة مانعة تضمنت هذه القيمة النبيلة، فقال "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى" وقال صلى الله عليه وسلم" النَّاسُ كُلُّهُمْ بَنُو آدَمَ ، وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ تُرَاب" رواه الترمذي)
كما تظهر حماية الوطن في مناهضة كل دعوة هدامة، أو محاولة استقطاب البعض لمصلحة أصحاب الأهواء المشبوهة، كما تشمل حماية الأوطان المحافظة علي أسراره الداخلية، وعدم التعامل مع أعداء الوطن أو من يريدون به السوء، أو ينفثون سمومهم في أجواء المجتمعات بغياً منهم وعدواناً، كما تظهر حماية الوطن في مناهضة الأفكار المتطرفة، ففي مناهضتها توجيها للعقول والقلوب إلى الوسطية والاعتدال والسلم والسلام والمحبة والمودة، وليس ذلك مقصورا على عقول الشباب فحسب، بل لابد أن يمتد ذلك حتى يصل إلى النشء ، فالعناية بالنشء مسلك الأخيار، وطريق الأبرار، ولا تهلك امة إلا حين ينتشر التطرف بين أجيالها؛ ولذلك كان السلف الصالح يعنون بأبنائهم منذ نعومة أظفارهم؛ يعلمونهم وينشئونهم على الخير، ويبعدونهم عن الشر، ويختارون لهم المعلمين الصالحين والمربين الحكماء والأتقياء، إذ أن العقائد المنحرفة والأقوال الشاذة والأفكار المتطرفة لا تظهر إلا بترك العلماء أهل التقى والسماحة والوسطية والأخذ عنهم، وأخذ العلم والفتوى من جماعات متطرفة أهل جهل وهوى .
تظهر حماية الوطن في اسمي حقيقتها ومعانيها، في الدفاع عنه، ومواجهة اى اعتداء أو عدوان عليه؛ فواجب أبناء الوطن أن يكونوا عيوناً ساهرة لحماية أمنه، وأن يتكاتفوا جميعا وبلا استثناء في درء أي خطر يتهدده، وردع كل من تسوّل له نفسه أن يجترئ علي الوطن، والدفاع عن الأوطان إما أن يكون فرض عين وإما أن يكون فرض كفاية؛ ففي أوقات الأمن والاستقرار والطمأنينة يكون الدفاع عن الأوطان فرض كفاية، إذ تقوم القوى المتمثلة في رجال الجيش والشرطة البواسل بالدفاع عن الوطن وتأمينه، ويجب على الناس أن يقدموا لهم الدعم المادي والمعنوي. أما في الأوقات التي تتعرض لها الأوطان لمحاولات غزو أو عدوان أو اى عمليات إرهابية فيكون الدفاع عن الأوطان فرض عين؛ إذ يجب على كل أبناء الوطن أن يكونوا على أهبة الاستعداد، فمن استدعى وجب عليه أن يلبى، وهو ما يسمى في العسكرية الحديثة بالتعبئة العامة، كما يتحتم على الجميع تقديم كل ما بوسعهم، وبأقصى جهدهم، وبأعظم طاقتهم، لحماية الوطن، والدفاع عنه، والتضحية في سبيل أمنه واستقراره بتقديم كل أنواع الدعم والمساندة لرجال القوات المسلحة الباسلة ورجال الشرطة البواسل في التصدي لمن يستهدفون أو يهددون امن الوطن واستقراره سواء كان دعما مباشرا بالنفس والمال، أو دعما غير مباشر بالكلمة الطيبة والدعاء وإشاعة روح التضحية والفداء وقيام كل إنسان بدوره ومسئوليته فقد قال جل علا (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ  إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ )المائدة2)
، ولقد ضرب لنا الصحابة الأطهار خير مثال في التضحية والدفاع عن الأوطان وحمايتها، فلقد تزوج سيدنا حنظلة بن أبى عامر رضي الله عنه في ليلة كانت صبيحتها غزوة احد، ومع ذلك إلا انه لما سمع المنادى ينادى لجمع الناس ردا للعدوان ودفاعا عن الوطن؛ لم يكن له أن يتأخر أو يتكاسل، بل خرج إلى حماية الأرض والعرض وهو على جنابة، فلما استشهد غسلته ألملائكة لما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال عنه " إِنَّ صَاحِبَكُمْ لَتُغَسِّلُهُ الْمَلائِكَةُ " كما كان الصحابة رضي الله عنهم من شدة إيمانهم بحقوق وطنهم، وحبهم الذي ملأ قلوبهم لوطنهم يتسابقون ويتنافسون في التضحية من اجله فهذا هو سيدنا أبو بكر يتصدق بماله كله في سبيل الله وهذا سيدنا عمر يتصدق بنصف ماله ففي جامع الترمذي عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَال : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ : أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَتَصَدَّقَ فَوَافَقَ ذَلِكَ عِنْدِي مَالًا ، فَقُلْتُ : الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا ، قَالَ : فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي , فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ ؟ " , قُلْتُ : مِثْلَهُ ، وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ ، فَقَالَ : " يَا أَبَا بَكْرٍ مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ ؟ " , قَالَ : أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، قُلْتُ : وَاللَّهِ لَا أَسْبِقُهُ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا"، ورحم الله عثمان ابن عفان الذي ساهم بالكثير من أمواله في سبيل الله فاشترى بئر رومة ووقفها على المسلمين، و جهز جيش العسرة  في غزوة تبوك، حتى قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم "مَا ضَرَّ عُثْمَانُ مَا فَعَلَ بَعْدَ اليَومِ، مَا ضَرَّ عُثْمَانُ مَا فَعَلَ بَعْدَ اليَومِ"
وتتجلى أمامنا كل لحظة مدى إصرار وعزيمة رجال القوات المسلحة ورجال الشرطة البواسل، في قهر الصعاب و تحطيم آمال كل معتدى على صخرة العزة والكرامة، كما تتجلى كل يوم قوتهم وإصرارهم وعزيمتهم وحسن ولائهم لوطنهم في كل ما يقومون به من تضحيات في مواجهة قوى الشر؛ حفاظا على الوطن والأرض والعرض؛ إذ يسجل ذلك تاريخًا جديدًا لوطننا الحبيب مصر، وإننا لم ولن ننسى أبدا هذه التضحيات على مدار الزمان، لا ننسى أبدا التضحيات التي حفرت وما زالت تحفر على جدار التاريخ المجد لبلادنا ووطننا، تحقيقا لعزة البلاد ،و كرامة العباد، وإننا وكلنا فيهم ثقة، نعلم جيدا مدى وطنيتهم فان كان اغلي ما يملكه الإنسان روحه التي بين جنبيه، فالتاريخ يشهد، والحاضر يشهد، أن حرصهم على الشهادة أقوى من حرص غيرهم على الحياة، فلقد ضحوا بكل عزيز وثمين من اجل وطنهم حتى ضحوا بأرواحهم على مدى العصور والأزمان ولازالوا يتسابقون ويتسارعون إلى حمايته والتضحية من اجله بكل غال ونفيس، فلله ما اقوي عزيمتهم وما أعظم وفائهم وصدقهم؛ نسأل الله أن يحفظهم وينصرهم، وإننا جميعا بقلب واحد؛ قلبا مخلصا وفيا مقدرا لجهودهم وتضحياتهم، نوجه إليهم رسالة دعم وتأييد، نقول لهم : لستم وحدكم، فنحن جميعا معكم وفى ظهوركم وعن أيمانكم وعن شمائلكم صفا واحدا، كونوا على يقين أنكم في قلوبنا وان النصر حلفيكم، هنيئا لكم بشرى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول "عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ الله، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ الله"رواه الترمذي وحسنه) وعَنِ ابْنِ عُمَرَ،عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ "أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِلَيْلَةٍ أَفْضَلَ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ: حَارِسٌ حَرَسَ فِي أَرْضِ خَوْفٍ لَعَلَّهُ لاَ يَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ".
إن من اجل علامات صدق المحبة للوطن: التمسك به، والاعتزاز بالانتماء إليه، وصون مقوماته وإنجازاته، والعمل الدءوب لأجل رفعته وعزته، أن يكون كل منا قدوة صالحة في نفسه، وبين أهله وبني وطنه، ولا يكون معول هدم أو إفساد ، بل يكون أول من يدافع عن وطنه لمن يريد به الشر والفساد والفتنة، وأن يكون جندي في موقعه يحفظ امن وطنه، من اعتداء المعتدين، أو إفساد المفسدين .
(نسأل الله أن يحفظ وطننا الغالي الحبيب مصر،
وان يجعلها آمنة مطمئنة سخاء رخاء)
==========
محمد حســــن داود
إمام وخطيب ومدرس
google-playkhamsatmostaqltradent