recent
آخر المشاركات

الطريق إلــى السعادة - بقلم الشيخ / محمد حســــن داود



الطريق إلــى السعادة
بقلم الشيخ / محمد حســــن داود

 


للتحميل word  إضغط هنا 
للتحميل pdf  إضغط هنا

لا يُعرف مفقود اتعب الكثير في البحث عنه والإعياء في طلبه مثل " السعادة " كل يطلبها في مظانها؛ فمن الناس من يراها في المال، ولا شك أن المال من زينة، ومتاع الحياة الدنيا، فقد قال تعالى (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) الكهف46) لكنه ليس غاية السعادة؛ فكثير من الناس يملكون الأموال لكنها لم تبلغ بهم مبلغ السعادة الحقيقية؛ بل ربما كانت هلاكا لهم فلقد منح الله قارون كنوزاً كالتلال ما جمعها بجهده، ولا بعقله، ولكنه مال بلا طاعة؛ جحد نعمة الله وسعى في الأرض فسادا، فماذا كانت العاقبة؟ قال تعالى( فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ) القصص81)
النفس تجزع أن تكون فقيـــــــــــرة *** والفقر خير من غنىً يطغيهـــــا
وغنى النفوس هو الكفاف فإن أبت *** فجميع ما في الأرض لا يكفيها
ومنهم من يراها في الأولاد،ومع أن الأولاد هم زهرة الحياة وأحد شقي زينتها، لكن ليست هذه هي غاية السعادة وإنما هي سبب أو جزء؛ إن صلحت، كما قال صلى الله عليه وسلم" إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ ، إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ " رواه مسلم) وربما كان الولد سبب شقاء لوالديه، ومنهم من يراها في المكانة، وهذا باب أو سبب من أسباب السعادة إذا لازمها تقوى الله تعالى، وقد تكون سببا في تعاسة صاحبها إذا لم يؤدى حق الله فيها؛ فالحقيقة أن هذه كلها أسباب وصول إلى السعادة، كما أنها قد تكون أسباب عدمها، لكنها ليست هي غاية السعادة بمعناها الأسمى .
فإن غاية السعادة بمعناها الحقيقي الأسمى واضحة جلية؛ تراها في استجابة الله لدعاء سيدنا يونس عليه السلام، وهو في ظلمات، في بطن الحوت، قال تعالى (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ)الأنبياء87 /88) تراها في حسن الظن بالله عندما تقرأ عن سيدنا موسى عليه السلام، قوله تعالى (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ )الشعراء61/62) تراها في معية الله سبحانه وتعالى، عندما تقرأ في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يطوّق في الغار بسيوف تطلبه، وإذ به يلتفت إلى سيدنا أبي بكر ويقول مطمئناً له: لا تحزن إن الله معنا؛ قال تعالى (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) التوبة40)
هذه هي السعادة؛ رضا الإنسان بما قسمه الله له، ورضا الله عن الإنسان وتوفيقه له؛ فالأولى تكون بالقناعة وسلامة القلب، والثانية بطاعة الله والتقرب إليه بالعمل الصالح،قال تعالى ( يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ)هود:105-108)
ما أجمل الدين والدنيا إذا اجتمعا *** وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل
 فللسعادة سبل، دلنا عليها كتاب الله، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فمنها تقوى الله سرا وعلانية، قال تعالى (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) الطلاق 2/3) ومن سبلها، الإقبال على الله بالطاعات والقربات وعمل الصالحات من صلوات ونفقات، وإعانة المحتاج، وقضاء الحاجات، فقد قال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )النحل97) ومن سبل السعادة أيضا الإكثار من ذكر الله جل وعلا؛ فإنه أعظم الأسباب لانشراح الصدر وطمأنينة القلب وزوال الهم قال تعالي (الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) الرعد28) ومنها القناعة، بل والرضا بما قسمه الله، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" وإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ، فمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ " ومن ثم فمن كان طالبا للسعادة فليطلبها برضاه بما قسمه الله له، وطاعة الله فيما أمره به، فقد قال تعالى( فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ )طه123 /124) ولله در القائل
و لست أرى السّعادة جمع مالٍ *** و لكنّ التقيّ هو السّعيدُ

و تقوى الله خير الزّاد ذخــــراً *** و عند الله للأتقى مزيـدُ


google-playkhamsatmostaqltradent