recent
آخر المشاركات

خطبة بعنـــــوان : وحدة الوطن سبيل قوته - للشيخ / محمد حســــــن داود


خطبة بعنـــــوان : 
وحدة الوطن سبيل قوته
للشيخ / محمد حســــــن داود
ولتحميل الخطبة : word  اضغط هنا

ولتحميل الخطبة : pdf     اضغط هنا

العناصــــــر :
- مكانة الوحدة، وتعدد أساليب القران والسنة في الدعوة إليها.
- العبادات تنادى بالاتحاد والتآلف .
- تحقيق أسمى معاني الوحدة من منهج الصحابة .
- أثر الاتحاد والتآلف على الفرد والمجتمع .
- أثر الفرقة على الفرد والمجتمع، ودعوة الإسلام إلى نبذها .
الموضــوع: الحمد لله رب العالمين، القائل في كتابه العزيز ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا) آل عمران103) وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله،القائل في حديثه الشريف" إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا، فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةِ الْمَالِ" رواه مسلم) اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد
إن من أعظم غايات الإسلام اجتماعَ الكلمة، ووحدة الصف، فبالوحدة والتآلف والتماسك: تنال الأمم مجدها، وتصل إلى مبتغاها، وتنجو من الفتن، وتعيش حياة آمنة مطمئنة، بالوحدة والتماسك تبنى الأوطان، وتتقدم، وترتقي، وتنال قوتها ومكانتها؛ ومن ذلك ما من نبي إلا وبُعث بالألفة، ونبذ الفرقة؛ كما قال الإمام البغوي رحمه الله:" بعث الله الأنبياء كلهم بإقامة الدين والألفة والجماعة وترك الفرقة والمخالفة " تفسير البغوى)
إن من ينظر القران والسنة النبوية ليجد تنوع الأساليب في الدعوة إلى التماسك والترابط والتآلف والوحدة؛ وفي ذلك إشارة قوية إلى مدى أهمية الوحدة والتماسك والتآلف؛ فتجد الأمر صريحاً بها كما في قوله تعالى ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْوَانًا) آل عمران103) وقوله جل وعلا (وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) الأنعام153) ويقول النبي صلى الله عليه وسلم " إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ ثَلَاثًا، فَيَرْضَى لَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ولا تَفَرَّقُوا، وَيَكْرَهُ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةِ الْمَالِ" رواه مسلم) قال القرطبي رحمه الله:" فإن الله تعالى يأمر بالألفة وينهى عن الفرقة، فإن الفرقة هلكة، والجماعة نجاة".  ورحم الله ابن المبارك حيث قال:
إن الجماعة حبـل الله فاعتصموا *** منه بعروته الوثقى لمن دانا
كذلك يجد أن الله تعالى خاطب عباده بصيغ تحثهم على الوحدة والاصطفاف، فيقول تعالى: (يا بني آدم) و (يا أيها الذين امنوا) و ( يا أيها الناس) في دلالة قرآنية، وإشارة إلهية، إلى أهمية الوحدة والتماسك بين أبناء المجتمع وإن اختلف اللون أو العرق أو العقيدة، فقد قال سبحانه (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ( الحجرات13) ويقول النبي صلى الله عليه وسلم " يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى" رواه أحمد) حتى لما ذكر القران رسالة الأنبياء إلى قومهم لم يتجاهل ألأخوة الإنسانية، فقال تعالى (وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا) هود 61)، وقال سبحانه (وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا) الأعراف 65)، وقال جل وعلا (وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ) هود 84) .
كما أن الناظر في جميع العبادات يرى فيها النداء بالوحدة، والاصطفاف؛ فالصلاة من شأنها اجتماع الأجساد والقلوب في مكان واحد، وفى وقت واحد، خلف إمام واحد، قبلتهم واحدة، ابتغاء وجه الله الواحد، يناجونه جميعا بقولهم ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ فكان فضلها في جماعة فوق فضلها للمنفرد إذ يقول النبي صلى الله عليه وسلم " صلاةُ الجَمَاعَةِ أَفْضَلُ من صَلاَةِ الفَذِّ بِسَبْعٍ وعِشرين دَرَجَة "متفق عليه). أما الصدقة فمن شأنها أنها تبعث روح التعاون والألفة والمحبة بين إفراد المجتمع الواحد، وإذا عم الود والمحبة كانت الوحدة و نبذ الفرقة. كما أن الصيام من شانه تهذيب النفس عن كل قول أو فعل يدعو إلى الفرقة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ " رواه البخاري) هذا من جانب، ومن آخر فيه شعور بالفقير، ومن ثم النظر إليه بعين الرأفة والإحسان مما يساهم في الوحدة والتآلف. وفى الحج ترى المسلمون يجتمعون أجسادا وقلوبا من جميع أقطار الأرض على اختلاف ألوانهم وألسنتهم في مكان واحد بلباس واحد ابتغاء وجه الله الواحد، قال تعالى (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ)الحج 27) .
كذلك كانت دعوة الإسلام إلى كل ما من شأنه توثيق المودة، وكل ما من أثره تحقيق المحبة والألفة في أسمى المعاني؛ فتجد الدعوة إلى التعاون؛ إذ يقول جل وعلا (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) المائدة2) وتجد الدعوة إلى بر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن العشرة بين الزوجين، ورعاية الأبناء؛ ففي الوالدين والأرحام يقول جل وعلا ( وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ ) النساء 36) وعن الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"‏ إِنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ – ثَلاَثًا - إِنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِآبَائِكُمْ إِنَّ اللَّهَ يُوصِيكُمْ بِالأَقْرَبِ فَالأَقْرَبِ ‏"‏.‏ وفي الزوجين يقول تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) الروم21) كما تجد الدعوة إلى حسن الجوار ففيها التماسك والترابط، إذ يقول النبي r:" مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللَّهِ والْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إلى جارِهِ"، وقال أيضا " مَا آمَنَ بِي مَنْ بَاتَ شَبْعَان وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ بِه " رواه الطبراني، والبزار) كما تجد الدعوة إلى الإصلاح بين الناس فقد قال تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) الحجرات10) كما تجد الدعوة إلى إجابة السؤال وتفريج الكربات وتقديم الخير للمجتمع، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ:" بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ قَالَ: فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ؛ وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ. قَالَ: فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ" رواه مسلم) وعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :"مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى" رواه مسلم) ويقول صلى الله عليه وسلم " أحبُّ الناسِ إلى اللهِ أنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ" رواه الطبري). كما تجد الدعوة إلى إفشاء السلام وإطعام الطعام فعَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ سَلاَمٍ، قَالَ:" لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  المَدِيْنَةَ، انْجَفَلَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَكُنْتُ فِيْمَنِ انْجَفَلَ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ، عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ يَقُوْلُ:" يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوْا السَّلاَمَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلاَمٍ ". كما تجد دعوة الإسلام إلي اللين والرفق والسلام لتحقيق أسمى وأنقى معاني الوحدة، إذ يقول الله جل وعلا (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ  وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) آل عمران 159) وقال سبحانه (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) البقرة83) كل الناس على اختلاف العقائد فقد قال جل وعلا (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) الصف 8) ويقول النبي صلى الله عليه وسلم " الْمُسْلِمُ مَنْ سَلَمَ النَّاس مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ".
ولقد كان أول أساس وضعه النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة أن دعا الجميع إلى الاتحاد فصاروا بالاتحاد أعوانا وأنصارا، وأصبحوا بالوحدة قوة ومنعة، وتحولت حياتهم من تنازع وفرقة إلى اجتماع وألفة، وتبدلت اهتماماتهم من صراع، إلى بناء حضارة تعلو بالوحدة، فنزع الله تعالى من نفوسهم الغل والبغضاء، وألف بينهم بالمحبة والصفاء، قال الله سبحانه (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). الأنفال 62/63) فاتحدت قلوبهم، وتآلفت نفوسهم، وتجانست أرواحهم، فكانوا كما قال صلى الله عليه وسلم :"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" فعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:" قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الْمَدِينَةَ فَآخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الْأَنْصَارِيِّ؛ وَكَانَ سَعْدٌ ذَا غِنًى فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ أُقَاسِمُكَ مَالِي نِصْفَيْنِ وَأُزَوِّجُكَ. قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ،..." رواه البخاري)
ولم يكن الأمر بين المسلمين فحسب بل كان أيضا بينهم وبين غيرهم وهذا ما دلت عليه وثيقة المدينة، حيث الحقوق، من أمن وسلام للجميع، والواجبات على الجميع في حماية الوطن والدفاع عنه والحفاظ عليه .
 وعلى مثل هذا المنهج النبوي الكريم صار الصحابة الأخيار الأطهار يدعون إلى الإصطفاف وينهون عن الفرقة والاختلاف فعَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَطَبَنَا عُمَرُ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ: إِنِّي قُمْتُ فِيكُمْ كَمَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِينَا، ثم ذكر خطبة جاء فيها: "عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ، وَهُوَ مِنْ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمْ الْجَمَاعَةَ، مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ، فَذَلِكُمْ الْمُؤْمِنُ" رواه الترمذي)
إن الوحدة هي أساس السعادة، وعماد البناء والتقدم، وسبيل القوة، كما أن فيها التكافل، وفيها التغلب على التحديات التي يواجهها المجتمع. ولله در القائل
وإذا القلوبُ تآلفَت مع بعضِها *** لا بُدَّ أن يُدرِكنَ كــلَّ مُرادِي
ويدُ الإله مــــع الجماعة سُنَّةٌ *** عمِلَت بها الآبا عن الأجدادِ
وكما دعانا الإسلام إلى الاصطفاف، نهانا عن الفرقة والاختلاف، فقال تعالى (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) الأنفال 46 )، وقال سبحانه (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) آل عمران 105)
 فلما كان التعاضد والاتحاد يصنع النجاح وينهض بالأمم والحضارات، كان التنازع والاختلاف يضعف الأقوياء ويهلك الضعفاء، لذلك لم ينه الإسلام عن الفرقة فقط بل نهى عن كل ما كان إليها سبيل.
 ومن ذلك أن نهى عن الكراهية والحقد والحسد، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "لا تَحاسدُوا، وَلا تناجشُوا، وَلا تَباغَضُوا، وَلا تَدابرُوا، وَلا يبِعْ بعْضُكُمْ عَلَى بيْعِ بعْضٍ، وكُونُوا عِبادَ اللَّه إِخْوانًا، المُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِم: لا يَظلِمُه، وَلا يَحْقِرُهُ، وَلا يَخْذُلُهُ، التَّقْوَى هَاهُنا ويُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاثَ مرَّاتٍ بِحسْبِ امرئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِر أَخاهُ المُسْلِمَ، كُلّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حرامٌ: دمُهُ، ومالُهُ، وعِرْضُهُ" رواه مسلم) وقال أيضا " لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِه ".  فالفرقة ضعف وهلاك وشتات، وذهاب للخير والبركة، فإذا كانت تذهب ببركة الطعام كما جاء عن وَحْشِيٍّ بْنِ حَرْبٍ، رضي الله عنه: أَنَّ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَأْكُلُ وَلَا نَشْبَعُ، قَالَ :" فَلَعَلَّكُمْ تَفْتَرِقُونَ ؟ " قَالُوا : نَعَمْ ، قَالَ:" فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ يُبَارَكْ لَكُمْ فِيهِ "رواه أبو داود ) فكيف بما هو اكبر من ذلك ؟.
 وإذا كانت قد رفعت مثل هذا الخير كما جاء عن، عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَقَالَ : " إِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ ، فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمُ، الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالْخَمْسِ " رواه البخاري) فكيف بغير ذلك؟ وليست ثمة قضية أجمع عليها المسلمون قديما وحديثا مثلما أجمعوا على خطورة التفرق والتنازع، وأن الاجتماع قوة تتضاءل إلى جانبها كل القوى المتفرقة، وان التفرق ضعف لا يضاهيه ضعف، لذلك أراد حكيم أن يعطى أولاده درساً في ليلة من ليالي الشتاء الباردة حين أحس بقرب أجله، فاجتمع أولاده حول سريره، وأراد أن يوصيهم بوصية تنفعهم قبل وفاته، فطلب منهم أن يحضروا حزمة من الحطب، وطلب من كل واحد منهم أن يكسر الحزمة، فلم يستطع أي واحد منهم أن يكسرها،  فأخذ الحكيم الحزمة ،  وفرقها أعواداً، وأعطى كل واحد من أبنائه عوداً، وطلب منهم كسر الأعواد وهي متفرقة، فكسر كل واحد منهم عوده بسهولة . فقال الأب الذي هو الحكيم : يا أبنائي إياكم والتفرقة , كونوا كهذه الحزمة متحدين ، حتى لا يقدر عدو على هزيمتكم .
كُونُـوا جميعًا يا بَنيّ إذا اعتَرى *** خَطْبٌ ولا تتفرَّقـــــوا آحادَا
تأبَى العِصِيُّ إذا اجْتمعْنَ تكسُّرًا *** وإذا افْتَرَقْنَ تكسَّرت أفْرادَا

اللهم أهدنا لأحسن الأخلاق إنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت،
واصرف عنا سيئها إنه لا يصرف عنا سيئها إلا أنت،
وأحفظ مصر وشعبها من كل مكروه وسوء .

===== كتبه =====
محمد حســـــــن داود
إمام وخطيب ومدرس

google-playkhamsatmostaqltradent