خطبة بعنـوان:
دور مصر في بناء الحضارة الإنسانية
للشيخ / محمد حســــن داود
(25 ربيع الآخر 1444هـ - 18 نوفمبر 2022م)
العناصــــــر: مقدمة :
- مصر في القرآن الكريم والسنة النبوية.
- مصر مهد الحضارات وموطن الرسالات.
- دور مصر في بناء الحضارة الإنسانية.
الموضوع:
الحمد لله رب العالمين،
القائل في كتابه العزيز: (ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ) (يوسف
99)، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا
عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم
الدين، وبعد
فلقد اختص ربنا (سبحانه وتعالى) وطننا
الحبيب مصر بمزيد من التفضيل والتكريم؛ وفي هذا دعوة لنا جميعا أنْ نحافظَ على وطننا
الحبيب، وأن نكون في حمايته والدفاع عنه والوفاء له.
لقد ذكرت مصر في القرآن الكريم في مواضع
كثيرة؛ منها ما هو بصريح اللفظ، وقد جاءت كلها في مقام المدح والثناء؛ كقوله تعالى
(وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا
وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ
) (يونس87)، فمصر هي البلد الوحيد الذي أوصى الله أنبيائه (عليهم السلام) أن يذهبوا
إليها، بنص الآية الكريمة، فقد أمر سبحانه وتعالى موسى وهارون أن يتخذا لهما
ولقومهما بيوتاً بمصر.
ومن ذِكْرِ القرآن لمصر ما كان
بالإشارة، كقوله تعالى: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ* وَطُورِ سِينِينَ* وَهَذَا الْبَلَدِ
الأَمِينِ) (التين 1-3).
وكما ذُكرت مكة في القرآن بالأمن
والأمان، كما في قوله تعالى: ( لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ) (الفتح 27). ذكرت
به مصر، فقال تعالى: (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ
وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ) (يوسف 99).
وفيها نزل الوحي على نبي الله موسى
(عليه السلام)، وكلمه الله (سبحانه وتعالى) بالواد المقدس طوي، قال تعالى: ( وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ * إِذْ رَأَىٰ نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ
امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ
عَلَى النَّارِ هُدًى * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَىٰ * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ
فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ) (طه 9- 13)
وفيها تجلى الله (سبحانه وتعالى) للجبل
فجعله دكا؛ قال تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ
قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَٰكِنِ انْظُرْ إِلَى
الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ
لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ
تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) (الأعراف 143)
كما نوهت السنة النبوية بفضلها وعظم
مكانتها؛ فعَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ): "إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ، وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا
الْقِيرَاطُ، فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا، فَإِنَّ لَهُمْ
ذِمَّةً وَرَحِمًا، أَوَ قَالَ ذِمَّةً وَصِهْرًا " (رواه مسلم) قال النووي،
في شرح صحيح مسلم: " وأما الرحم: فلكون هاجر أم إسماعيل منهم،
وأما الصهر: فلكون مارية أم إبراهيم منهم".
ولحب أهل مصر لرسول الله (صلى الله
عليه وسلم) وآل بيته كان دعاء السيدة زينب(رضي الله عنها)
حيث قالت: "يا أهل مصر نصرتمونا نصركم الله، وآويتمونا آواكم الله وأعنتمونا أعانكم
الله وجعل لكم من كل مصيبة فرجًا، ومن كل ضيق مخرجًا
".
قَارَنْتُ مِصْـرَ
بِغَيْـرِهَا فَتَـدَلَّلَـــــــــتْ *** وَعَجَزْتُ أَنْ أَحْظَـىَ لَهَـا بِمَثِيْــلِ
هَذِيْ الْحَضَارَةُ مُعْجِزَاتٌ فيِ الوَرَىَ *** عَقِمَ الزَّمَـــــــانُ بِمِثْلِهَـا
كَبَدِيْــلِ
رَفَــــــــــــعَ الإِلَـهُ مَقَـامَهـَا وَأَجَـلَّـهُ *** فِــيْ الذِّكْرِ وَالتَّـوْرَاةِ
وَالإِنْجِـيْــلِ
بُـوْرِكْـتِ مِصْــــــرُ فَلاَ أَرَانِيَ بَالِغـًا *** حَقَّ الْمَدِيحِ وَإِنْ
جَهَدْتُ سَبِيلِــي
يَا مِصْـــرُ يَرْعَاكِ الإِلَـهُ كَمـَا رَعَىَ *** تَنْـزِيلَهُ مِـنْ عَـابِثٍ
وَدَخِـيْـــــــــلِ
ففي أرض مصر يجري نهر النيل المبارك الذي
ينبع أصله من الجنة؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): "سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ
كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ " (رواه مسلم)
وفيها ولد موسى وهارون (عليهما السلام)
وعاشا طويلاً؛ وعلى أرضها ضرب موسى (عليه السلام) البحر بعصاه فظهرت المعجزة العظيمة
والحادثة الفريدة في تاريخ البشرية؛ قال تعالى: (فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ
اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ
) (الشعراء63)
وإليها جاءت السيدة مريم وإبنها سيدنا
عيسى (عليهما السلام). وسكنها سيدنا يوسف (عليه السلام) ونال بها من المكانة والجاه،
ثم أتبعه إليها يعقوب (عليه السلام).
كما ولد بها خامس الخلفاء الراشدين عمر
بن عبد العزيز (رضي الله عنه) وكان أبوه عبد العزيز بن مروان والياً عليها، هذا غير
من سكنها من الصحابة.
ومن أهل مصر من خلد القرآن الكريم ذكرهم
وكان قرآنا يتلى إلى يوم القيامة، منهم: أم موسى، وآسية امرأة فرعون.
كما خلد التاريخ مدى حب مصر للكعبة؛
فلما أرسل عمر (رضي الله تعالى عنه) ,إلى عامله في مصر أن يصنع كسوة للكعبة المشرفة,
فصنعت الكسوة من عهد عمر (رضي الله عنه) وظلت كسوة الكعبة تصنع في مصر سنة تلو سنة
حتى مرت أكثر من ألف سنه وكسوة الكعبة ترسل من مصر إلى مكة.
من شاهد الأرض وأقطارها
*** والناس أنواعا وأجناســـا
وما
رأى مصر ولا أهلهــــا *** فما رأى الدنيا
ولا الناس
إنها مصر أم الحضارات الإنسانية:
فلقد تتابعت على أرضها الحضارات فكانت مهدا للحضارة الفرعونية، وحاضنة للحضارة الإغريقية
والرومانية ومنارة للحضارة القبطية، وحامية للحضارة الإسلامية، حيث اتسم شعب مصر على
طول التاريخ بالحب والتسامح والود فامتزج أبناء مصر في نسيج واحد متين، فكان بناء حضارتها
مشيدا على القيم والأخلاق والتسامح، فقد جاء أن عبد الله بن عمرو بن العاص
(رضي الله عنهما) قال: "أهل مصر أكرم العرب كلهم، وأسمحهم يداً، وأفضلهم عنصراً".
وقال تاج الدين الفزاري (رحمه الله تعالى): "إن من أقام في مصر سنة وجد في أخلاقه
رقة وحسنا". وقد ذكر ابن ظهيرة (رحمه الله) أن من شيم أهل مصر: "حلاوة لسانهم،
وكثرة ملقهم ومودتهم للناس ومحبتهم للغرباء، ولين كلامهم لهم، والإحسان إليهم ومساعدتهم
لهم على قضاء حوائجهم". وقال يحيى بن سعيد: "جلت
البلاد فما رأيت الورع ببلد من البلدان أعرفه إلا بالمدينة وبمصر".
كما أثرت مصر في الحضارة الإنسانية بالعلم والمعرفة، وبراعتها في جميع
المجالات: كالطب والهندسة والصيدلة والزراعة والبناء وغير ذلك، ولقد كان أول من خط
بالقلم مصريا، وهو سيدنا إدريس (عليه السلام)، كما قال النبي (صلى الله عليه وسلم)
عنه: "وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِالْقَلَمِ" (رواه ابن حبان) ولَكَم
نشر أهل مصر العلم في ربوع الأرض على مر العصور والتاريخ.
أما عن جودها وكرمها وكونها ملاذا للعالم كله في الأخطار والمجاعات: فكم لمصر
وأهلها من تاريخ في الجود، إن دعوا إلى الخير أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا فقد
قال سعيد بن أبي هلال: "مصر أم البلاد، وغوث العباد". جودا وكرما ملاذا
في الأخطار والمجاعات، فلقد ذكرت مصر في هذا الجانب كثيرا في القرآن الكريم، ففي
قصة سيدنا يوسف (عليه السلام) كان قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ
لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ) (يوسف 21) فالكرم من شيم مصر وأهلها. وفيها
أيضا: نقرأ جميعا هذه الآيات التي تخبرنا بالخطة التي وضعها سيدنا يوسف (عليه
السلام) لإنقاذ مصر وجميع البلاد المجاورة من الهلاك، بالعمل والجد من جانب، ومن
آخر بتقليل الاستهلاك قدر الإمكان، قال تعالى (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا
فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ
يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا
قَلِيلًا مِّمَّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ
النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) (يوسف47 - 49)
وهذا ذو القرنين من أهل
قرية نحو الإسكندرية، الذي ملك الأرض بأسرها، ودعا إلى الله في كل إنحائها، يقدم خدمة
ما أجلها وأعظمها للبشرية بأكملها وهى بناء سد يأجوج ومأجوج، قال تعالى: (قَالُوا يَا
ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ
لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي
فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا
* آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا
حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْطَاعُوا
أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا ) (الكهف 94-97)
وها هي مصر في حاضرنا تبهر العالم كله بعمل وجد وتقدم، ببناء
وعمارة، بصدها ومواجهتها للإرهاب والفكر المتطرف، بجهود في مواجهة آثار التغيرات المناخية، إذ تؤكد هذه
الجهود للعالم كله مدى دور مصر التاريخي في دفع الضرر عن البشرية، وقد استطاعت أن تجمع
كبار قادة العالم على أرضها للعمل على وضع حلول جذرية لمواجهة آثاره الخطيرة.
مصــر الكنانة ما هانت على أحد *** الله يحرســها عطفــا ويرعاهـــــا
ندعوك يا رب أن تحمى مرابعها *** فالشمس عين لها والليل نجواها
والسنبلات تصلى فـي مزارعهـا *** والعطر تسبيحها والقلب مرعاها
نسألك اللهم
أن تحفظ مصر وجيشها وأهلها من كل مكروه وسوء
وأن تجعلها أمنا أمانا سخاء رخاء يا رب العالمين
=== كتبه ===
محمد حســــــــــن داود
إمام وخطيب ومـــــــــــدرس
باحث دكتوراه في الفقه المقارن
لتحميــل الخطبة word رابط مباشر ----- اضغط هنا
لتحميــل الخطبة word رابط مباشر (نسخة أخرى) اضغط هنا
لتحميــل الخطبة word جوجل درايف ----- اضغط هنا
لتحميــل الخطبة word جوجل درايف (نسخة أخرى) اضغط هنا
لتحميــل الخطبة pdf جوجل درايف ---- اضغط هنا