recent
آخر المشاركات

خطبة بعنـــــــوان: إتقان العملِ واجب ديني وحضاري للدكتــــــور/ محمد حســــــن داود (13 ذو القعدة 1447هـ - 1 مايو 2026م)

 

خطبة بعنـــــــوان:
إتقان العملِ واجب ديني وحضاري
للدكتــــــور/ محمد حســــــن داود
(13 ذو القعدة 1447هـ - 1 مايو 2026م)

العناصـــــر :   
- خلق الله (سبحانه وتعالى) الكون كله بإتقان.
- دعوة الإسلام إلى الإتقان.
- من صور الإتقان في العمل.
- إتقان العبادات والطاعات.
- أثر الإتقان في تقدم الأمم.
-
الاحتيال المالي ومشكلة: "المستريح".

الموضــــــوع: الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي أحاط بكل شيء علما، له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، نعمه لا تحصى، وآلاؤه ليس لها منتهى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وحبيبه، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد

فإن من يتدبر الحياة ويراجع السير ويتأمل الواقع، يجد أنه ما يكون لحضارة أن تنهض، ولا لمجتمع أن ينجح، ولا لأسرة أن ترقى، ولا لفرد أن يتقدم، ما لم يُعْلي من قدر هذه القيمة النبيلة؛ ألا وهي: "الإتقــــان"؛ فالإتقان سلوك طيب، وخلق كريم، طاعة يتقرب بها المسلم إلى ربه، ويرتقي بها في حياته، قيمة حضارية، عليها تقوم الحضارات، ويعمر الكون، وتثرى الحياة، وتتقدم الأمم، وتزدهر المجتمعات.

 والمتدبر في القرآن الكريم يجد أن الكون كله خلق بإتقان؛ وفي ذلك دلالة واضحة على أهمية الإتقان وعلو مكانته ورفعة شأنه، قال تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً * وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً * وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً * وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً) (النبأ: 6- 16) وقال سبحانه: (وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) (يس: 37-40)، وقال عز وجل: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُون) (النمل: 88) أي أحسنه وجوده، وقال جل وعلا: (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ) (الملك: 3) فكلما تدبرت الخَلْق ترى التقدير بميزان، والحساب بإتقان، قال تعالى (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (القمر: 49).

وفي السنة النبوية أيضا ما يبين مدى اهتمام النبي (صلى الله عليه وسلمَ) بالإتقان؛ ففي دفن أحد الصحابة؛ جعل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: "سَوّوا لَحْدَ هَذَا" حَتَّى ظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ سُنَّة، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِم فَقَالَ: "أَمَا إِنَّ هَذَا لاَ يَنْفَعُ الْمَيِّتَ وَلاَ يَضُرُّهُ، وَلَكِنَّ اللهَ يُحِبُّ مِنَ الْعَامِلِ إِذَا عَمِلَ أَنْ يُحْسِن" (شعب الإيمان للبيهقي).

إن الإتقان والمحافظة عليه، والتميز فيه من أهم سمات الشخصية المسلمة، ومن أهم الواجبات العملية التي حث عليها الإسلام، فقد قال تعالى: (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: 195) والإحسان، هو الإتقان والإحكام والتجويد، وعن أم المؤمنين عَائِشَةَ (رضى الله عنها) أَنَّ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلا أَنْ يُتْقِنَهُ".

إذا عمل المـرءُ المكلف مرةً *** عملًا فإنّ العيبَ ألّا يحسنه
فقــــدْ ذكرَ المختارُ أنّ إلهنَا *** يحـبُّ لعبــــدٍ خافَهُ أنْ يتقنَه

إن الإتقان مطلوب من كل يد موكول إليها من العمل شيئا فمهما اختلفت طرق تحصيله، وتنوعت وسائل اكتسابه حسب طبيعة العمل وظروفه، إلا أنه يظل أساسا للرقي لا بد منه، وضرورة لا محيص عنها وقد قال النبي (صَلى الله عليه وسلم): "إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحسَانَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ" (رواه مسلم) فالطبيب والمهندس والمدرس، والموظف، والتاجر،... الخ، هؤلاء وغيرهم من أصحاب المهن مطالبون بالإتقان في عملهم، وليست الصنائع والحرف عن الإتقان بعيدة، إذ إن الإتقان في العمل مهنة أو صناعة أو حرفة أو غير ذلك من الوفاء بالعقد، وإن التقصير في العمل وإهماله نقض للوعد وإخلافه، وإن الإتقان في العمل من الأمانة، وقد قال الله تعالى في صفات أهل الإيمان أصحاب الفوز والفلاح: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ) (المؤمنون: 8)، وإذا كان كل صاحب مهنة أو صنعة أو حرفة يحب الخير لنفسه ويريد أن يأخذ حقه وافيا، فلا شك أنه مطالب بالوفاء بواجباته حتى يأخذ غيره حقه وافيا، وقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم): "لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ" وعنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم) قَالَ: "لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ " (متفق عليه).

ولقد حكى لنا القرآن الكريم أن الالتزام بالإتقان من شيم وسمات الأنبياء والمرسلين، فهذا نبي الله موسى (عليه السلام) لما تعاقد مع الرجل الصالح على عمل محدد بزمن محدد، اذ يقول الله (عز وجل) (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَىٰ أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَٰلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ * فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارً) (القصص: 27-29) لم يقصر في مهمته، ولم يترك وظيفته، ولم يغادر موقع عمله حتى قضى الأجل زمانا ومكانا، فلما انقضى الأجل غادر محمود السيرة.

إذ إن القرآن لما حث على العمل ودعا إليه حث على أن يكون الإتقان مبدأه ومنتهاه، فالله مطلع على الأعمال؛ يعلم من يخافه في عمله ممن يقصر ويهمل؛ قال تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (التوبة: 105)، وقال سبحانه: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ ) (يونس: 61) ولقد روى الطبراني، عن زيد بن أسلم قال: مَـرّ ابن عمر براعي غنم فقال: يا راعي الغنم هل مِن جَزرة ؟ قال الراعي: ليس ها هنا ربها، فقال ابن عمر: تقول أكلها الذئب! فرفع الراعي رأسه إلى السماء ثم قال : فأين الله ؟ قال ابن عمر : فأنا والله أحق أن أقول فأين الله، فاشترى ابن عمر الراعي واشترى الغنم فأعتقه وأعطاه الغنم .، أين الله!! غاب مضمونها عن كل مقصر، وكل مهمل، (أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) (البقرة: 77).  

إن الإتقان سمة أساسية في الشخصية الناجحة حتى وإن فاتها خيره، إذ يحكى أن كسرى (ملك الفرس) مر يوما بفلاح طاعن في السن يغرس شجرة زيتون، فقال له متعجبا: أيها الشيخ ما بالك تغرس هذه الشجرة البطيئة الثمر وأنت شيخ هرم؟ فهل تأمل أن تأكل من ثمرها ؟ فرد الفلاح: غرس من قبلنا فأكلنا، ونغرس فيأكل من بعدنا.

وكما حث الإسلام على الإتقان في مهنة وحرفة وصنعة، حث عليه في العبادة، وقد قال الله (سبحانه وتعالى): (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) (الأنعام: 162- 163) ويقول سيدنا الحبيب النبي (صَلى الله عليه وسلم) عن الاحسان: "أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ"، وفي فضل هذا الاتقان يقول حبيبنا صلى الله عليه وسلمَ: "إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا حَتَّى يَلْقَى اللهَ" (متفق عليه).

فمن ينظر القرآن والسنة يجد أن أهل الإتقان في العبادات قد فازوا بالخيرات، ففي الوضوء يقول النبي (صَلى الله عليه وسلم): " مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِهِ" (رواه مسلم)، وفي الصلاة يقول الله (سبحانه وتعالى) (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ) (المؤمنون: 1-2)، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) دَخَلَ المَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ، فَصَلَّى، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَرَدَّ وَقَالَ: "ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ"، فَرَجَعَ يُصَلِّي كَمَا صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَقَالَ: "ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ" ثَلاَثًا، فَقَالَ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَهُ، فَعَلِّمْنِي، فَقَالَ: "إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاَتِكَ كُلِّهَا" (متفق عليه)، وفي الصدقات يقول سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى) (البقرة: 246)، وفى الصيام، يقول صلى الله عليه وسلم: "مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ" (رواه البخاري)، وفي الحج يقول سيدنا الحبيب النبي (صلى الله عليه وسلم) "منْ حجَّ فَلَم يرْفُثْ، وَلَم يفْسُقْ، رجَع كَيَومِ ولَدتْهُ أُمُّهُ" (متفق عليه).

إن إتقان العمل ليس واجبا دينيا فحسب بل هو واجب وطني، وإن الجد والنشاط والإتقان صفات المحبين لأوطانهم، العاملين لرفعتها وريادتها، إذ إن الأمم لا تتقدم بالكسل والخمول، لا تتقدم بالتقصير والإهمال، بل ترقى وتتقدم وتزدهر بالإتقان والجد والسعي.

فما أحوج الأمة وما أحوج شبابها وأجيالها أن تتحلى بالإتقان في كل عمل ،وأن تعلم أن الله (عز وجل) مطلع على كل الأعمال ما ظهر منها وما بطن؛ قال تعالى: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) (غافر: 19) ما أحوجهم أن يعلموا أن كل عمل أقيم بإتقان عاد على الأمة جميعها بالخير كما يعود عليهم به.

الخطبة الثانية

لقد ابتُليت مجتمعاتنا في السنوات الأخيرة بظاهرة خطيرة، بمشكلة من أخطر المشكلات الاقتصادية والاجتماعية ألا وهي الاحتيال المالي، الذي يُعرف بين الناس باسم مشكلة "المستريح"، حيث يظهر بعض الناس بمظهر الناصح الأمين، يعدون الناس بأرباح خيالية، ويغرونهم باستثمارات موهومة، حتى يجمعوا أموالهم، وقد ترتب على ذلك ضياع مدخرات بعض الأسر وفقرهم بعد غناهم؛ فكم من أسرٍ تشردت، وكم من بيوتٍ خربت، وكم من نفوسٍ تحطمت، وكم من أناسٍ أصابتهم الهموم والأحزان بسبب ضياع أموالهم. وما علم هذا المحتال أن الله (عز وجل) سائله عن هذا المال من أين جمعه، حيث قال سيدنا الحبيب النبي (صلى الله عليه وسلمَ): "لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ (الترمذي)

إن أكل أموال الناس بالباطل يعمي البصيرة، ويوهن الدين، ويقسي القلب، ويظلم الفكر، ويقعد الجوارح عن الطاعات، ويوقع في حبائل الدنيا وغوائلها، ويكون سبب تعاسة صاحبه في الدنيا وفي الآخرة ؛ فقد قال النبي (صلى الله عليه وسلمَ): "مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللهُ". وعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ (رضي الله عنه) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): "لَا يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ إِلَّا كَانَتْ النَّارُ أَوْلَى بِهِ" (الترمذي).

اعلموا أن هذا المال حلاله حساب، وحرامه عقاب، واحذروا مغبة أكل الحرام، فقد قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) (النساء: 29-30) واعلموا أن ما عند الله (عز وجل) لا ينال بمعصيته؛ فعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ (رضي الله عنه)، أَن رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، قَالَ: " إنَّ رُوحَ القُدُسِ نفثَ في رُوعِي ، أنَّ نفسًا لَن تموتَ حتَّى تستكمِلَ أجلَها، وتستوعِبَ رزقَها، فاتَّقوا اللهَ، وأجمِلُوا في الطَّلَبِ ، ولا يَحمِلَنَّ أحدَكم استبطاءُ الرِّزقِ أن يطلُبَه بمَعصيةِ اللهِ ، فإنَّ اللهَ تعالى لا يُنالُ ما عندَه إلَّا بِطاعَتِهِ".

اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق واصرف عنا سيئها، وارزقنا الحلال وبارك لنا فيه، واحفظ مصر من كل مكروه وسوء

=== كتبه ===
محمد حســـــــن داود
إمام وخطيب ومـــدرس
دكتوراة في الفقه المقارن

 

لتحميــل الخطبة  word   رابط مباشر  -----      اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة  word   رابط مباشر (نسخة أخرى) اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة     pdf   رابط مباشر     -----      اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة  word   جوجل درايف    -----       اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة  word جوجل درايف (نسخة أخرى) اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة  pdf    جوجل درايف      ----      اضغط هنا 


 

google-playkhamsatmostaqltradent