recent
آخر المشاركات

خطبة بعنــــوان: يوم عرفة يوم المباهاةِ الإلهية -للدكتور / محمد حســــن داود (5 ذو الحجة 1447هـ - 22 مايو 2026م)

 

خطبة بعنــــوان:
يوم عرفة يوم المباهاةِ الإلهية
للدكتور / محمد حســــن داود
(5 ذو الحجة 1447هـ - 22 مايو 2026م)


العناصـــــر :   

- فضل يوم عرفة.
- ما من يوم تنثال فيه رحمات الله على عباده كيوم عرفة.
- السلف الصالح ويوم عرفة.
- اغتنام يوم عرفة بصالح الأعمال.
- التحذير من إلقاء القمامة في الشوارع (مخلفات ذبح الأضاحي).

الموضــــــوع: الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي أحاط بكل شيء علما، له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، نعمه لا تحصى، وآلاؤه ليس لها منتهى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وحبيبه، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد

لقد جعل الله (سبحانه وتعالى) في كل عام مواسم وأياما كريمة، عامرة بالخير والأجور الجزيلة، يجتمع فيها الكثير من العبادات والطاعات، وتتجلى فيها الرحمات والبركات، يستكثر فيها الصالحون ويتزود فيها المقصرون من صالح الأعمال، ومن هذه الأيام المباركة: "يوم عرفة".

- فهو أحد الأيام التي قال عنها سيدنا النبي (صلى الله عليه وسلمَ): "أَفْضَلُ أَيَّامِ الْدُّنْيَا أَيَّامُ الْعَشْر".

- وأحد الأيام التي قال فيها سيدنا النبي (صلى الله عليه وسلمَ): "مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ".

- أقسم الله (عز وجل) به في كتابه: قال تعالى: (والسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ) (البروج: 1-3)، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): "اليَوْمُ المَوْعُودُ يَوْمُ القِيَامَةِ، وَاليَوْمُ المَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الجُمُعَةِ " (رواه الترمذي).

- وهو اليوم الذي أتم الله فيه النعمة وأكمل فيه الدين، قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (المائدة: 3) عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ (رضي الله عنه)، أَنَّ رَجُلًا، مِنَ اليَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ، لاَتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا. قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا) قَالَ عُمَرُ: "قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ، وَالمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ"(رواه البخاري).

- وهو اليوم الذي أخذ الله فيه الميثاق من آدم (عليه السلام) وذريته: فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: "أَخَذَ اللهُ الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ بِنَعْمَانَ - يَعْنِي عَرَفَةَ - فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأَهَا، فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالذَّرِّ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قِبَلًا " قَالَ: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ) (الأعراف: 172- 173) (رواه أحمد).

- وهو أحد أيام الأشهر الحرم التي قال الله تعالى فيها: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) (التوبة: ٣٩).

- يباهي الله (عز وجل) فيه الملائكة بالحجاج ويفيض عليهم من رحمته: فعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): "وَمَا مِنْ يوْمٍ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ يوْمِ عَرَفَةَ يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُبَاهِي بِأَهْلِ الْأَرْضِ أَهْلَ السَّمَاءِ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاحِينَ جَاءُوا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ يَرْجُونَ رَحْمَتِي، وَلَمْ يَرَوْا عَذَابِي" (رواه ابن حبان)، وعن أنسِ بنِ مالكٍ قال: وقفَ النَّبيُّ (صلى الله عليه وسلم) بعرفاتٍ وقد كادت الشَّمسُ أن تَؤوبَ فقال: يا بلالُ أنصِتْ لي النَّاسَ. فقام بلالٌ فقال: أنصِتوا لرسولِ اللهِ (صلى الله عليه وسلمَ)؛ فأنصت النَّاسُ فقال: "معشرَ النَّاسِ أتاني جبرائيلُ (عليه السَّلامُ) آنفًا فأقرأني من ربِّي السَّلامُ وقال: إنَّ اللهَ (عزَّ وجلَّ) غفر لأهلِ عرفاتٍ وأهلِ المَشعَرِ وضمِن عنهم التَّبِعاتِ" فقام عمرُ بنُ الخطَّابِ (رضِي اللهُ عنه) فقال: يا رسولَ اللهِ هذا لنا خاصَّةً؟، قال: "هذا لكم ولمن أتَى من بعدِكم إلى يومِ القيامةِ"، فقال عمرُ بنُ الخطَّابِ (رضِي اللهُ عنه): كثُر خيرُ اللهِ وطاب".

- وهو يوم حسرة وخزي للشيطان بمغفرة الله (عز وجل) لعباده: فعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلى الله عليه وسلم) قَالَ: "مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ؛ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنْ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ؛ إِلَّا مَا أُرِيَ يَوْمَ بَدْرٍ. قِيلَ وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ".

لقد احتفى القرآن الكريم بيوم عرفة احتفاءً عظيمًا فجاء ذكره أكثر من مرة، ومن ذلك قوله تعالى: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) (البقرة: ١٩٨)، وما من يوم تنثال فيه رحمات الله على عباده كيوم عرفة، وما من يوم يطلع الله تعالى بجوده وإحسانه على خلقه كيوم عرفة، فعن سيدنا أَنَسٍ (رضي الله عنه) قَالَ: " كَانَ يُقَالُ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ بِكُلِّ يَوْمٍ أَلْفٌ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ عَشْرَةُ آلَافِ يَوْمٍ"، يَعْنِي: "فِي الْفَضْلِ" (شعب الإيمان). وعَنْ أَبِي دَاوُدَ الشَّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلمَ) يَقُولُ: "لا يَبْقَى أَحَدٌ يَوْمَ عَرَفَةَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ إِلا غُفِرَ لَهُ"، فَقَالَ رجل: لأهل عرفة خاصة يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً؟ قَالَ: "لا بَلْ لِلنَّاسِ عَامَّةً" (رواه الطبراني). وعن ابن عباس، عن النبي (صلى الله عليه وسلمَ) أنّه قال: "كَانَ فُلانٌ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ (صلى الله عليه وسلمَ) يَوْمَ عَرَفَةَ، قَالَ: فَجَعَلَ الْفَتَى يُلاحِظُ النِّسَاءَ، وَيَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ، قَالَ: وَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ يَصْرِفُ وَجْهَهُ بِيَدِهِ مِنْ خَلْفِهِ مِرَارًا، قَالَ: وَجَعَلَ الْفَتَى يُلاحِظُ إِلَيْهِنَّ"، قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وسلمَ): "ابْنَ أَخِي، إِنَّ هَذَا يَوْمٌ مَنْ مَلَكَ فِيهِ سَمْعَهُ، ‌وَبَصَرَهُ، ‌وَلِسَانَهُ، غُفِرَ لَهُ"( مسند أحمد).

لقد كان السلف الصالح إذا كان يوم عرفة استقرُّوا في المساجد، وتفرَّغوا للذكر والصلاة، وتلاوة القرآن،" فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ يَخْرُجَانِ إِلَى السُّوقِ فِي أَيَّامِ العَشْرِ يُكَبِّرَانِ، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا" (رواه البخاري) وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْوَرْدِ، قَالَ: قَالَ لِي عَطَاءٌ الخُرَسَانيُّ: "إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَخْلُوَ بِنَفْسِكَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فَافْعَلْ" (حلية الأولياء). كما يُروى عن محمد بن المُنكدِر أنه حج ثلاثًا وثلاثين حجة، فلما كان آخر حجة حجها، قال وهو بعرفات: "اللهم إنك تعلم أنني قد وقفت في موقفي هذا ثلاثًا وثلاثين وقفة، فواحدة عن فرضي، والثانية عن أبي، والثالثة عن أمي، وأشهدك يا رب أني قد وهبت الثلاثين لمن وقف موقفي هذا، ولم تتقبل منه"، فلما دفع من عرفات ونزل بالمزدلفة، نودي في المنام: "يا ابن المنكدر، أتتكرم على من خلق الكرم؟ أتجود على من خلق الجود؟ إن الله تعالى يقول لك: وعزتي وجلالي، لقد غفرت لمن وقف بعرفات قبل أن أخلق عرفات بألفي عام" (إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين). وقال بعض الصالحين: رأيتُ رجلًا بمكة يقول: "اللهمَّ بحق صائمي عرفة لا تحرمني ثواب يوم عرفة"، فسُئل عن ذلك، فقال: كان والدي يدعو بهذا الدعاء، فلما ماتَ رأيتُه في المنام، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بهذا الدعاء، ولما وضعت في قبري جاءني نورٌ فقيل لي: هذا ثواب عرفة قد أكرمناك به" (نزهة المجالس ومنتخب النفائس).

فما أحوجنا إلى اغتنام هذا اليوم بصالح الأعمال؛ فهو يوم عيد لنا؛ إذ يقول النبي (صلى الله عليه وسلمَ): "يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ، عِيدُنَا أَهْلَ الإِسْلَامِ" (رواه الترمذي)، وإن من الأعمال التي ينبغي للمسلم أن يتقرب إلى الله بها في هذا اليوم:

- الصيام: إذ يقول النبي (صَلى الله عليه وسلم): " صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ" (رواه مسلم).

- الدعاء: فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلمَ): "خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (رواه الترمذي)، قال ابن عبد البر، في (التمهيد) عن هذا الحديث: "وفيه من الفقه أن دعاء يوم عرفة أفضل من غيره وفي ذلك دليل على فضل يوم عرفة على غيره... وفي الحديث أيضا دليل على أن دعاء يوم عرفة مجاب كله في الأغلب".

- ذكر الله (عز وجل): فقد قال النبي (صَلى الله عليه وسلم) في العشر: " فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّحْمِيدِ" (رواه أحمد) .

- التقرب إلى الله ( عز وجل) بالأعمال الصالحة على اختلاف ألوانها وصنوفها، فهذا يوم يعتق الله (عز وجل) فيه عبادا من النار: فقد قال رَسُولَ اللَّهِ (صَلى الله عليه وسلم): "مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِى المَلاَئِكَةَ فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلاَءِ" (رواه مسلم)، قال الحافظ ابن رجب (رحمه الله): "ويوم عرفة هو يوم العتق من النار، فيعتق الله من النار من وقف بعرفة ومن لم يقف بها من أهل الأمصار من المسلمين " (لطائف المعارف لابن رجب)، وقال عبد الله بن المبارك: "جِئْتُ إِلَى سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ وَهُوَ جَاثٍ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَعَيْنَاهُ تَهْمِلَانِ فَقُلْتُ لَهُ: مَنْ أَسْوَأُ هَذَا الْجَمْعِ حَالًا؟ قَالَ: الَّذِي يَظُنُّ أَنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ لَه". ونظر الفضيل بن عياض إلى تسبيح الناس وبكائهم عشية عرفة فقال: أرأيتم لو أن هؤلاء صاروا إلى رجل فسألوه دانقاً، يعني سدس درهم، أكان يردهم ؟ قالوا: لا، قال: والله للمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل لهم بدانق.

- كما أن من أعظم ما يتقرب به العبد إلى الله (عز وجل) يوم النحر وأيام التشريق: ذبح الأضاحي: فقد قال تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) (الكوثر: 2)، وعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: "ضَحَّى النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ، فَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا، يُسَمِّي وَيُكَبِّرُ، فَذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ".

ففي الأضحية أسمى معاني الشكر لله (عز وجل) على نعمه، وفيها إحياء لسنة سيدنا إبراهيم (عليه السلام)، وتأسيا بسنة المصطفى (صَلى الله عليه وسلم). وكفى في فضلها قول النبي (صَلى الله عليه وسلم): "مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ مِنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرِ, أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ، إِنَّهَا لَتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا, وَأَشْعَارِهَا, وَأَظْلَافِهَا, وَأَنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ مِنَ الْأَرْضِ, فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا".

علما بأنه كما يتحقق فعل الأضحية بيد المضحي يتحقق أيضا بالوكالة من خلال صكوك الأضاحي، فلقد حرصت وزارة الأوقاف المصرية على تحقيق كل معاني التيسير في إحياء  هذه السنة النبوية العظيمة من جانب، ومن آخر سعيا إلى وصول الأضاحي إلى الأسر الأكثر احتياجا فاهتمت بمشروع " صك الأضحية " والذي يعد بمثابة توكيل بالأضحية.

الخطبة الثانية

التحذير من إلقاء القمامة في الشوارع (مخلفات ذبح الأضاحي)

لقد جاء الإسلام ليبني مجتمعًا راقيًا، تظهر فيه آثار الإيمان في سلوكه كما تظهر في الصلاة والصيام وسائر الطاعات. ولذلك لم يكن الطريق في نظر الإسلام مجرد ممرٍّ للناس، بل جعل له حقًّا، ومنه أن يُصان من الأذى والقاذورات وكل ما يضر بالمارة أو يشوه جمال المجتمع، ولا سيما في أيام ذبح الأضاحي. فإنَّ من المؤسف أن تتحول بعضُ الشوارعِ والطرقاتِ في أيام الأضاحي إلى أماكنَ تُلقى فيها بقايا الذبح والقمامة، فتنبعثُ الروائحُ المؤذية، ويتأذى المارَّةُ والجيران، ويختلُّ جمالُ البيئة ونظافةُ المجتمع، وهذا السلوكُ لا ينسجمُ مع هدي الإسلام الذي دعا إلى الطهارة، وحثَّ على الإحسان، وأمرَ بصيانة حقوق الناس ومرافقهم العامة، فقد جعل الإسلام تنحية الأذى عن الطريق من شعب الإيمان وسبب للمغفرة: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): "الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ - أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ - شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ" (رواه مسلم)، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، قَالَ: "بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، وَغَفَرَ لَهُ" (صحيح البخاري).

فالواجب علينا أن نحافظ على نظافة طرقنا كما نحافظ على نظافة بيوتنا فقد قال النبي (صلى الله عليه وسلمَ): "عُرِضَتْ عَلَيَّ أُمَّتِي بِأَعْمَالِهَا: حَسَنِهِ وَسَيِّئِهِ، فَرَأَيْتُ فِي مَحَاسِنِ أَعْمَالِهَا: الْأَذَى يُنَحَّى عَنِ الطَّرِيقِ" (سنن ابن ماجه). وعَنْ أَبِي بَرْزَةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ أَنْتَفِعُ بِهِ، قَالَ: "اعزل الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ" (صحيح مسلم).

اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق واصرف عنا سيئها، واحفظ اللهم مصر من كل مكروه وسوء.

=== كتبه ===
محمد حســـــــن داود
إمام وخطيب ومدرس
دكتوراة في الفقه المقارن


لتحميــل الخطبة  word   رابط مباشر  -----      اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة  word   رابط مباشر (نسخة أخرى) اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة     pdf   رابط مباشر     -----      اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة  word   جوجل درايف    -----       اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة  word جوجل درايف (نسخة أخرى) اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة  pdf    جوجل درايف      ----      اضغط هنا 


 


 

google-playkhamsatmostaqltradent