خطبة
بعنــــوان :
الدعوة
إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة
للدكتـــــور/ محمد حســــن داود
(18 شعبان ١٤٤٧هـ 6 فبراير ٢٠٢٦م)
العناصـــــر:
-
مكانة الدعوة إلى الله وفضلها.
- الدعوة
إلى الله بالحال وحسن الأخلاق.
- القدوة
الحسنة من أعظم أساليب الدعوة.
- الرفق
في الدعوة من هدي النبي (صلى الله عليه وسلمَ).
- تحقيق معاني التيسير ونبذ التشدد والغلو في الدعوة إلى الله.
الموضــــــوع: الحمد لله رب العالمين، الحمد لله
فاطر السبع الطباق، مقسم الأرزاق، الهادي لأحسن الأخلاق، مالك يوم التلاق، نحمده
سبحانه على آلاء تملأ الآفاق، ونعم تطوق القلوب والأعناق، وأشهد أن لا إله إلا
الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، القائل في حديثه
الشريف: "إنما بُعِثتُ لأُتَمِّمَ صالِحَ الأخْلاقِ"، اللهم صل وسلم
وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد
فإن أشرف الأعمال قدرا، وأرفع المقامات شأنا: الدعوة إلى الله (عز
وجل)؛ فهي تاجُ
الصالحين، ودُرَّة العارفين، ومهنة الأنبياء والمرسلين، حيث أرسلهم الله (عز وجل) وكلفهم بهذه المهمة العظيمة؛ وهي دعوة الناس
إلى الله (سبحانه وتعالى) وإخراجهم من دياجير الظلام إلى نور الطاعة وطريق
الإيمان، قال تعالى: (وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ) (فاطر: ٢٤)؛
وعن أبي ذرٍّ الغفاري (رضي الله عنه) أنه قال: قلتُ: يا رسولَ الله، كم الأنبياء؟
قال: "مائةُ ألفٍ وعشرون ألفًا"، قلتُ: يا رسولَ الله، كم الرسل من ذلك؟
قال: "ثلاثمائةٍ وثلاثةَ عشر، جمًّا غفيرًا" (صحيح ابن حبان). قال
الإمام الرازي (رحمه الله) في (مفاتيح الغيب): "فالأنبياء صلوات الله عليهم
ما بُعثوا إلا للدعوة إلى الحق". وقد قام رسل الله (عليهم الصلاة والسلام)
بذلك أفضل قيام، وبلغوا رسالات ربهم أتم بلاغ، فقال (سبحانه وتعالى) في حقهم: (وَسَلَامٌ
عَلَى الْمُرْسَلِينَ) (الصافات:181). ومن ثم فإن الدعوة إلى الله (عز وجل) هي الشعارُ الأول للاقتداء بالأنبياء والطريق
الواضح لكل من أراد أن يسلك سبيلهم، قال تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو
إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) (يوسف: ١٠٨).
فالدعوة إلى الله فضلها عظيم وثوابها
جزيل؛ فهي طريق الفلاح، وسبيل النجاة، قال تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا
مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ
الْمُسْلِمِينَ) (فصلت: 33)، وقال سبحانه: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ
إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ
وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران: 104) وقال تعالى: (وَالْعَصْرِ *
إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (سورة العصر)... وهي باب عظيم من أبواب الخير، وطريق للفوز بالأجر يبقى ثوابه حتى بعد
موت صاحبه؛ فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلمَ): "مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ
فَلهُ مثلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ" (رواه مسلم)، وعن أَبِي هُريرةَ (رضي الله عنه):
أَنَّ رسولَ اللَّه (صلى الله عليه وسلمَ) قال: "مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى
كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلِكَ مِنْ
أُجُورِهِم شَيْئًا، ومَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ
مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا" (رواه
مسلم)... وهي سبب لمحبة الله (عز وجل): فقد قال الحبيب
النبي (صلى الله عليه وسلمَ): "أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس" (رواه
الطبراني)، ولا شك أن أعظم النفع هو تزكية النفوس والدلالة على الخير.
وكما بين لنا القرآن الكريم وسنة
الحبيب النبي (صلى الله عليه وسلمَ) أجر الدعوة إلى الله، ومدح أهلها
وأثنى عليهم ذم من تخلفوا عن مقامها فلا يقومون بحقها، فقال تعالى في حق أقوام
لعنهم بتركهم الدعوة: (ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا
يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَر فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (المائدة:
٧٨- ٧٩)، وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد، يقول النبي (صلى الله عليه
وسلمَ):
"إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ، حَتَّى
يَرَوْا الْمُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى أَنْ
يُنْكِرُوهُ فَلَا يُنْكِرُوهُ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ، عَذَّبَ اللَّهُ
الْخَاصَّةَ وَالْعَامَّةَ".
إن الدعوة إلى الله (تعالى) تكون فرض
كفاية إذا تعلقت بدقيق العلم والفتوى، أما مجرد الدلالة على الخير وتحذير الناس من
الشر ففرض لا يسقط عن أحد، يظهر ذلك في النصيحة، والمشورة، والمعاملة مع الناس؛
ومن ثم فجميعنا في علاقاته مع الناس وفي عمله داعيا إلى الله (عز وجل) بأقواله الطيبة وأفعاله الطيبة؛ فالدعوةُ إلى الله ليست كلماتٍ تُلقى
فحسب، ولا خُطبًا تُسمع فقط، بل هي قبل ذلك سلوك يُرى، وأخلاق تُعاش، فكم من قلبٍ
فتح بخلقٍ حسن، وكم من نفسٍ اهتدت بسلوكٍ مستقيم، ولقد كان رسولُ الله (صلى الله عليه
وسلمَ)َ
قرآنًا يمشي على الأرض، يدعو الناس بفعله قبل قوله، وبسمته قبل موعظته، فدخل الناس
في دين الله لما رأوا صدقه، وأمانته، ورحمته، وحسن تعامله، قبل أن يسمعوا بليغ
خطابه.
إن الدعوةَ بالأخلاق تُجسّد الإسلام
واقعًا حيًّا؛ في الصدق في المعاملة، والوفاء بالعهد، والإحسان إلى الناس، وكفّ
الأذى، واحتمال الأذى، وبذل المعروف، فهذه لغةٌ يفهمها الجميع، ويخضع لها القريب
والبعيد، ومن ذلك نستطيع أن نقول إن القدوة الحسنة من أعظم أساليب الدعوة إلى الله (عز وجل) ولو نظرنا إلى حياة النبي (صلى الله عليه وسلمَ) لوجدناها صورة حية لأخلاق وتعاليم
الإسلام السامية، رأى الناس فيها حقيقة الإسلام رأْي العين، إذ كانت حركاته
وسكناته وأخلاقه ترجمة لقيم القرآن الكريم، فعَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ
عَامِرٍ، قَالَ: أَتَيْتُ عَائِشَةَ (رضي الله عنها)، فَقُلْتُ: يَا أُمَّ
الْمُؤْمِنِينَ، أَخْبِرِينِي بِخُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ)، قَالَتْ: "كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ، أَمَا تَقْرَأُ
الْقُرْآنَ، قَوْلَ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم
4) فكان نعم المعلم ونعم المربي ونعم القدوة، قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي
رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ
الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) فكان يدعو أصحابه الى تقوى الله وهو أتقاهم،
وينهاهم عن الشيء فيكون أشدّهم حذرا منه، ويوصيهم بأحسن الخلق، فإذا هو أحسنهم
خلقا، ويدعوهم الى ذكر الله وإذا به أكثرهم ذكرا، ويناديهم الى البذل والعطاء ثم
يكون أسخاهم يدا وأكرمهم نفسا، وينصحهم بحسن العشرة مع الأهل، ثم تجده أحسن الناس
لأهله رحمة وعطفا، فقد قال صلى الله عليه وَسلم: "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ
لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي".
فيما يجدر بنا أن نعي أن تربية الأبناء لا تقف عند الكلام
وحده، ولا تنشئهم الأوامر المجردة، ولا تصنعهم الخطب ولا المواعظ إذا خالفتها
الأفعال؛ فالدعوةُ بالفعل أبلغُ من الدعوة بالقول، والقدوةُ الحسنة أعمق أثرًا من
ألف وصية.
من جانب آخر؛ فإن الإسلام دعانا إلى الرفق ولين الخطاب في الدعوة إلى الله،
قال تعالى: (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ
بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ
أَحْسَنُ) (النحل: 125) وعَنْ سيدنا أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ (صلى الله عليه
وسلمَ): "إِنَّكُمْ
لَا تَسَعُونَ النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلْيَسَعْهُمْ مِنْكُمْ بَسْطُ
الْوَجْهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ" (الحاكم في المستدرك). ولقد أمَرَ اللَّهُ (جَلَّ
وَعَلَا) نبيه موسى وهارون (عليهما السلام): أن يقولا لفرعون (قَوْلًا لَيِّنًا
لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (طه:٤٤)، ولعلنا إن نظرنا في سيرة الحبيب النبي (صلى الله عليه وسلمَ) لوجدنا أمثلة كثيرة على رفقه ولطفه في دعوته، إذ يقول معاوية بن الحكم السلمي (رضي الله
عنه) بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ)، إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ،
فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ؛ مَا شَأْنُكُمْ
تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟! فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ،
فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي، لَكِنِّي سَكَتُّ ، فَلَمَّا صَلَّى
رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي؛
مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ؛
فَوَاللَّهِ: مَا كَهَرَنِي، وَلَا ضَرَبَنِي، وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ : إِنَّ
هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا
هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ"(صحيح مسلم). وعن
أبي هريرة (رضي الله عنه)، قالَ: قَامَ أعْرَابِيٌّ فَبَالَ في المَسْجِدِ،
فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقالَ لهمُ النبيُّ (صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ): "دَعُوهُ
وهَرِيقُوا علَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِن مَاءٍ، أوْ ذَنُوبًا مِن مَاءٍ، فإنَّما
بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، ولَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ" (رواه البخاري).
كذلك مما أكد عليه الإسلام في أمر الدعوة إلى الله: تحقيق معاني
التيسير بما يتناسب وسماحة الشريعة الإسلامية، ونبذ التشدد والغلو إذ يقول النَّبِي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): "إِنَّ
الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ فَسَدِّدُوا
وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ
مِنْ الدُّلْجَةِ"(رواه البخاري)، ويقول: "إِنَّ هَذَا الدِّينَ
مَتِينٌ، فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ". ويقول: "إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ
يُحِبُّ الرِّفْقَ". ويقول: "إِنَّكُمْ أُمَّةٌ أُرِيدَ بِكُمُ
الْيُسْرُ" (رواه أحمد). ويقول: "إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ،
إِنَّ خَيْرَ دِينِكُمْ أَيْسَرُهُ " (رواه أحمد)، وعَنْ مِحْجَنِ بْنِ
الْأَدْرَعِ السُّلَمِيِّ، أن النبي (صلى الله عليه وسلمَ) قال: "إِنَّ اللهَ
(تَعَالَى) رَضِيَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ الْيُسْرَ، وَكَرِهَ لَهَا الْعُسْرَ"
قَالَهَا ثَلَاثًا (رواه الطبراني، في الكبير).
وإن من يتدبر الآيات والأحاديث يرى بكل
وضوح شمول الرفق والتيسير لجوانب الشريعة الإسلامية: فانظر
كيف أباح الإسلام الصلاة للمريض على أي وجه يتحقق له من خلاله رفع الحرج، فعَنْ
عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)، قَالَ: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ
فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عَنِ الصَّلَاةِ،
فَقَالَ: "صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ
تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ" (رواه البخاري). وفي الصيام: يقول الله (جل وعلا)
(وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)
(البقرة: 185). وفى الحج: يقول النبي (صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): "أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ
الْحَجَّ فَحُجُّوا"، فقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟،
فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): "لَوْ قُلْتُ : نَعَمْ، لَوَجَبَتْ وَلَمَا
اسْتَطَعْتُمْ، ثُمَّ قَالَ : ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ
كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ
، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا
نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ" (رواه مسلم). حتى في الكفارات: فعَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ)، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ
(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَقَالَ: هَلَكْتُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ،
قَالَ: وَمَا أَهْلَكَكَ؟ قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، قَالَ:
هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ
تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَجِدُ مَا
تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ: لَا، قَالَ: ثُمَّ جَلَسَ، فَأُتِيَ
النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، فَقَالَ:
تَصَدَّقْ بِهَذَا قَالَ: أَفْقَرَ مِنَّا؟ فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ
بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ) حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ
أَهْلَكَ"(رواه مسلم).
بينما الغلو والتشدد، كان أبعد ما يكون
النبي (صلى الله عليه وسلمَ) منه، فقد قال: "هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ، هَلَكَ
المُتَنَطِّعُونَ، هَلَكَ المُتَنَطِّعُونُ" وعن أَنَس بْنَ مَالِكٍ (رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ)، يَقُولُ: جَاءَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ
النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ
(صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ
تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ)؟ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ
أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ:
أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلاَ أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ
النِّسَاءَ فَلاَ أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: "أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا
وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ،
لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ،
فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي" (رواه البخاري).
فالغلو بصوره ومضمونه يجعل النفوس في
نفور من الدين؛ لذلك ترى أن النبي (صلى الله عليه وسلمَ) لما بَعَث معاذاً وأبا
موسى (رضي الله عنهما) إلى اليمن أوصاهما فقال: "يسِّرا و لا تعسِّرا وبشِّرا
ولا تنفرا". ومنه أيضا قوله صلى الله عليه وسلمَ: " يا أَيُّهَا النَّاسُ،
إنَّ مِنكُم مُنَفِّرِينَ، فمَن أَمَّ النَّاسَ فَلْيَتَجَوَّزْ، فإنَّ خَلْفَهُ
الضَّعِيفَ والكَبِيرَ وذَا الحَاجَةِ".
اللهم
لا تحرمنا من شرف الدعوة إليك؟، ولا من كرامة البلاغ عنك، واحفظ اللهم مصر من كل مكروه وسوء.
=== كتبه ===
محمد حســـــــن داود
إمام وخطيب ومدرس
دكتوراة في الفقه المقارن
لتحميــل الخطبة word رابط مباشر ----- اضغط هنا
لتحميــل الخطبة word رابط مباشر (نسخة أخرى) اضغط هنا
لتحميــل الخطبة word جوجل درايف ----- اضغط هنا
لتحميــل الخطبة word جوجل درايف (نسخة أخرى) اضغط هنا
لتحميــل الخطبة pdf جوجل درايف ----- اضغط هنا
