recent
آخر المشاركات

خطبة بعنـــــــوان: أيام الله في رمضان للدكتور/ محمد حســــن داود (9 رمضان 1447هـ - 27 فبراير2026م)

 

خطبة بعنـــــــوان:
أيام الله في رمضان
للدكتور/ محمد حســــن داود
(9 رمضان 1447هـ - 27 فبراير2026م)


العناصـــــر :   
- رمضان شهر الجد في الطاعات والعبادات والقربات.
- رمضان شهر السعي والكسب والعمل.
- رمضان شهر الانتصارات.
- دعوة إلى اغتنام شهر رمضان.

الموضــــــوع: الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي أحاط بكل شيء علما، له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، نعمه لا تحصى، وآلاؤه ليس لها منتهى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وحبيبه، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد

فمن فضل الله (سبحانه وتعالى) علينا أن جميع الأوقات لا تخل من رحمات غامرة، وفيوضات شاملة، ولا شك أن أعظم هذه الأوقات شأنا وأرفعها قدرا وأكثرها فضلا، هذه الأيام التي رزقنا الله صيامها وقيامها؛ فقد من الله على عباده فيها من الطاعات ما يحصلون به الخيرات والرحمات والبركات والنفحات، لذلك كان شهر رمضان شهر جد وعبادة وعمل وليس شهر خمول وكسل.

وإذا نظرنا إلى حال النبي (صلى الله عليه وسلم)، وصحابته الأطهار، لرأينا أن حياتهم في رمضان كانت عبادة وعملا، راجين رحمة الله، قارعين أبواب طاعته ومغفرته، إذ تقول أم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها): "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَجْتَهِدُ فِي رَمضانَ مَا لا يَجْتَهِدُ في غَيْرِهِ" (رواه مسلم)، وإن من الجِد في شهر الجِد أن يتقرب العبد إلى ربه بصنوف العبادات والطاعات والقربات، فقد قال تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) (آل عمران: 133) ويقول الحبيب النبي (صلى الله عليه وسلمَ): اطلُبوا الخَيرَ دَهرَكم كُلَّه، وتعَرَّضوا لنَفَحاتِ رَحمةِ اللهِ؛ فإنَّ للهِ نَفَحاتٍ من رحمتِه يُصيبُ بها من يشاءُ من عبادِه، وسَلوا اللهَ تعالى أن يَستُرَ عَوراتِكم، وأن يُؤَمِّنَ رَوعاتِكم". ويقول الحسن البصري (رضي الله عنه): "إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ شَهْرَ رَمَضَانَ مِضْمَارًا لِخَلْقِهِ، يَسْتَبِقُونَ فِيهِ بِطَاعَتِهِ إِلَى مَرْضَاتِهِ، فَسَبَقَ قَوْمٌ فَفَازُوا، وَتَخَلَّفَ آخَرُونَ فَخَابُوا".

إن شهر رمضان لا يقف فيه العمل عند إقامة الشعائر فحسب، بل إن من العبادات والطاعات، الكسب والسعي، فعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) رَجُلٌ، فَرَأَى أَصْحَابُ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم) مِنْ جَلَدِهِ ونَشَاطِهِ مَا أَعْجَبَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ كَانَ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): "إِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ يَعِفُّها فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ رِيَاءً وتَفَاخُرًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ".

فرمضان شهر عمل مع العبادة وطاعة مع السعي، إذ إن الإسلام دين يدعو الناس ويحثهم على عمارة دنياهم وأخراهم على السواء، يدعو إلى التوازن بين ما ينفع الناس في معاشهم ومعادهم، فإغفال أحدهما بُعد عن التوازن، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (الجمعة 9-10) فكان سيدنا عِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ، إِذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ انْصَرَفَ فَوَقَفَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَجَبْتُ دَعْوَتَكَ وَصَلَّيْتُ فَرِيضَتَكَ، وَانْتَشَرْتُ كَمَا أَمَرْتَنِي، فَارْزُقْنِي مِنْ فَضْلِكَ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ".  

ولقد كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يسأل ربه أن يعمر دنياه وأخراه، فما أكثر ما كان يدعو بهذا الدعاء القرآني الكريم: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (البقرة 201)، وكان من دعائه أيضا: "وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرَتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي" (رواه مسلم).

لقد أودع الله (سبحانه وتعالى) شهر رمضان الكثير من الأسرار والكنوز، التي جعلت هذا الشهر المبارك تاج الشهور ودرة الزمان، فكما أنه شهر الجد والعمل، هو أيضًا شهر الانتصارات، ومن ذلك:

- غزوة بدر: تلك الغزوة التي كانت في أول رمضان يفرض فيه الصيام، تلك الغزوة التي سماها الله تعالى بيوم الفرقان، إذ مَنَّ سبحانه على المسلمين بالنصر مع قلة عددهم وعدتهم، قال تعالى: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ * بَلَىٰ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ) (آل عمران: 123-126).

- وفي شهر رمضان من السنة الثامنة من الهجرة، كان فتح مكة، وفى هذا المقام ضرب لنا النبي (صلى الله عليه وسلم)، أروع الأمثلة في الصفح والعفو عن المسيئين، قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا تَرَوْنَ أَنِّي صَانِعٌ بِكُمْ؟" قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ قَالَ: "اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ" (رواه البيهقي في السنن الكبرى).

- وفى الخامس والعشرين من رمضان عام 658هـ ، كانت هزيمة التتار وتحطيم آماله في عين جالوت على يد الجيش المصري، بعدما اجتاحت جيوش التتار كثيرا من دول العالم الإسلامي.

- وفي العاشر من رمضان، السادس من أكتوبر، عام ألف وتسعمائة ثلاث وسبعين، كان توفيق الله (سبحانه وتعالى) للجيش المصري العظيم في تتويج بلادنا بتاج النصر، خير أجناد الأرض كما وصفه الحبيب النبي (صلى الله عليه وسلمَ)؛ فعن عُمَر بن الخطاب (رضي الله عنه) أنه سمع رسول الله (صَلى الله عليه وسلم)، يقول: "إِذَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ مِصْرَ، فَاتَّخِذُوا فِيهَا جُنْدًا كَثِيفًا؛ فَذَلِكَ الْجُنْدُ خَيْرُ أَجْنَادِ الْأَرْضِ"، فقال أبو بكر الصِّدِّيقُ (رضي الله عنه): ولِمَ يا رسول الله؟ قال: "لِأَنَّهُمْ وَأَزْوَاجَهُمْ فِي رِبَاطٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ".

فلقد حققوا نصرا عظيما، وأثبتوا للعالم كله أنه لا تهاون مع معتد مهما كان اسمه أو رسمه.

وإننا وفي ذكرى هذا النصر العظيم لن ننسى ابدا دماء الشهداء التي حفرت على جدار التاريخ المجد لوطننا الحبيب، ولا شك أن من أقل حقوق هؤلاء الشهداء علينا جميعا تخليد أسماءهم، وذكراهم ،وبطولاتهم، ليس في سجلات التاريخ فحسب، بل في كل قلب وعلى كل لسان، ليس من قبيل سرد البطولات التي قاموا بها فحسب، بل من أجل أن يكونوا نموذجا للاقتداء بهم، وحافزا للأجيال بعدهم على التضحية من أجل الوطن، ورفعته، وتقدمه.

إن من مجالات الانتصارات التي يستوجب على العبد ملازمتها خاصة ونحن في شهر الانتصارات، أن ينتصر الإنسان على نوازع الشيطان، وقد هيأ الله سبحانه وتعالى ذلك للصائم، إذ يقول النبي (صلى الله عليه وسلم): "إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ".

كذلك أن ينتصر الإنسان على شهواته ويحقق الفوز على نفسه بالطاعة والعبادة، وهجر المعاصي، فقد قال الله (سبحانه وتعالى) (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا) (الشمس 7-10) وقال سبحانه (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى  * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا *قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى ) (طه: 123-126).

اللهم تقبل منا الصيام والقيام وصالح الأعمال، واحفظ مصر من كل مكروه وسوء

=== كتبه ===
محمد حســـــــن داود
إمام وخطيب ومدرس
دكتوراة في الفقه المقارن


لتحميــل الخطبة  word   رابط مباشر  ----     اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة  word   رابط مباشر (نسخة أخرى) اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة     pdf   رابط مباشر     -----      اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة  word   جوجل درايف    ----      اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة  word جوجل درايف (نسخة أخرى) اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة  pdf    جوجل درايف      ----      اضغط هنا 

 

google-playkhamsatmostaqltradent