خطبة بعنـــــوان:
تكاليف الزواج بين المبالغة والاعتدال
للدكتور/ محمد حســـن داود
(6 ذو القعدة ١٤٤٧هـ - 24 أبريل 2026م)
العناصـــــــــــر :
- الزواج آية من آيات الله (عز وجل).
- (إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ).
- التيسير في الزواج من هدي الحبيب النبي (صلى الله عليه وسلمَ).
- السلف الصالح وعدم المبالغة في تكاليف الزواج.
- عواقب المبالغة في تكاليف الزواج.
الموضــــــوع: الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي
جعل الزواج سكنًا ورحمة، ومودةً وألفة، سبحانه وتعالى، نعمه لا تحصى، وآلاؤه ليس
لها منتهى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا
محمدا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وحبيبه، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد
وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد
فإن الزواج آية من آيات الله (عز وجل)،
وسنة من سنن المرسلين، ووصية خاتم النبيين، وميثاق غليظ يقوم عليه بناء الأسرة
والمجتمع، قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ
أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (الروم: 21)، وقال سبحانه: (وَاللَّهُ
جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ
بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ
وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ) (النحل: 72)، ويقول النبي (صلى الله عليه
وسلمَ): "يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ
فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالْصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ
وِجَاءٌ" (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) ويقول ابن مسعود (رضي
الله عنه): "لو لم يبق من أجلي إلا عشرة أيام، ولي طَول على النكاح لتزوجت،
كراهية أن ألقى الله عزبًا". فالزواج طريق للعفاف وصيانة للأعراض، وسبب للاستقرار،
وحفظ للدين وتحقيق لمقاصد الشريعة في حفظ النسل والأخلاق، كما أنه سكن ومودة
ورحمة، وهو السبيل المشروع لإعفاف النفس وإيجاد النسل.
لكن هذه النعمة العظيمة أصبحت في
زماننا عند كثير من الناس بابًا من أبواب المشقة بسبب المغالاة في المهور، والتكلف
في النفقات، فكم من شاب صادق عفيف يريد الحلال، لكن
الأبواب أُغلقت في وجهه بسبب قلة حيلته وضعف قوته المادية في مقابل المبالغة في
تكاليف الزواج، والله (عز وجل) يقول: (وَأَنكِحُوا
الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن
يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (النور:
32)، عن ابن عباس (رضي الله عنهما) أنه قال: "أمر الله (سبحانه) بالنكاح
ورغبهم فيه، وأمرهم أن يزوجوا أحرارهم وعبيدهم، ووعدهم في ذلك الغنى، فقال: (إِن
يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ)" كما
جاء عن أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) أنه قال: "أطيعوا الله فيما أمركم به
من النكاح، ينجز لكم ما وعدكم به من الغنى، قال تعالى: (إِن يَكُونُوا فُقَرَاء
يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ).
إن الزواج ليس صفقةً تُقاس بالأموال،
ولا ميدانًا للتفاخر بين الناس، وإنما هو ميثاق غليظ، يقوم على المودة والرحمة، ومن
ذلك يقول النبي (صَلى الله عليه وسلم):
"إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد
كبير" ولقد قَالَ رَجُلٌ لِلْحَسَنِ: إِنَّ عِنْدِي ابْنَةً لِي وَقَدْ
خُطِبَتْ إِلَيَّ فَمَنْ أُزَوِّجُهَا؟ قَالَ: "زَوِّجْهَا مَنْ يَخَافُ
اللَّهَ فَإِنْ أَحَبَّهَا أَكْرَمَهَا وَإِنْ أَبْغَضَهَا لَمْ يَظْلِمْهَا".
وإن هدي النبي (صلى الله عليه وسلمَ) وأصحابه
قائم على التيسير، فكان الزواج يتم بأبسط الأمور، ومع ذلك امتلأت بيوتهم بركة
وسعادة، حيث يقول الحبيب النبي (صلى الله عليه وسلمَ): "خيرُ النِّكاحِ أيسرُه" (رواه ابن حبان) ويقول صلى الله عليه وسلمَ:
"إِنَّ أَعْظَمَ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مَؤُونَةً" (رواه
البيهقي).
وهذا الحديث الشريف يضع لنا قاعدة
ذهبية في تيسير أمور الزواج، فكلما كان الزواج أيسر وأقل تكلفة، كان أكثر بركة
وخيراً، فعن عُرْوة بن الزُّبَير (رضي الله عنه)، عن أم المؤمنين عائشة (رضي الله
عنها)، أنها قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلمَ):
"مِن يُمنِ المرأةِ أن يُتَيسَّرَ في خِطبتِها، وأن يَتَيَسَّر صَدَاقُها،
وأن يَتَيسَّر رَحِمُها"، قال عُرْوة: يعني يَتَيسَّر رحمُها للولادة، قال
عُرْوة: وأنا أقول من عندي: من أول شُؤْمها أن يَكثُر صَداقُها" (رواه الحاكم)
وقد روى أن عمر الفاروق (رضي الله عنه)
قال: "أَلَا لَا تُغَالُوا بِصُدُقِ النِّسَاءِ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ
مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا أَوْ تَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ لَكَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا
النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، مَا أَصْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ، وَلَا أُصْدِقَتْ
امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً".
وقد قال النبي (صلى الله عليه وسلمَ)
لرجل: "التمس ولو خاتمًا من حديد" وزوج المصطفى (صلى الله عليه وسلمَ) بما
مع الرجل من القرآن، فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ (رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ) "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)
جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ : إنِّي وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ : فَقَامَتْ طَوِيلًا
فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّه، زَوِّجْنِيهَا، إنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِهَا
حَاجَةٌ فَقَالَ هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا؟ فَقَالَ: مَا عِنْدِي
إلَّا إزَارِي هَذَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)
إزَارَكَ إنْ أَعْطَيْتَهَا جَلَسْتَ وَلَا إزَارَ لَكَ فَالْتَمِسْ شَيْئًا قَالَ:
مَا أَجِدْ قَالَ: الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَالْتَمَسَ، فَلَمْ
يَجِدْ شَيْئًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هَلْ
مَعَكَ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: نَعَمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ" .
وما أحب الحبيب (صلى الله عليه وسلمَ) المبالغة
في أمور الزواج، ففي صحيح مسلم، جاءه رجل يسأله فقال: إِنِّي تَزَوَّجْتُ
امْرَأَةً مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ لَهُ: "عَلَى كَمْ تَزَوَّجْتَهَا"
قَالَ: عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ) "عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ! كَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ
عُرْضِ هَذَا الْجَبَلِ، مَا عِنْدَنَا مَا نُعْطِيكَ وَلَكِنْ عَسَى أَنْ
نَبْعَثَكَ فِي بَعْثٍ تُصِيبُ مِنْهُ" .
وعن عقبة بن عامر (رضي الله عنه) أن
النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قال لرجلٍ: "أترضَى أنْ أزوِّجَكَ
فلانةً؟" قال: نعم وقال للمرأةِ : "أترضَينَ أنْ أزوِّجَكِ فلانًا؟"
قالتْ: نعم فزوَّج أحدَهما صاحبَه فدخل بها الرجلُ ولم يفرضْ لها صَداقًا ولم
يعطِها شيئًا وكان ممَّنْ شهِد الحديبيةَ فلمَّا حضرَتْهُ الوفاةُ قال : أُشهِدكم
أنِّي قد أعطيتُها من صداقِها سهمي بخيبرَ فباعتْهُ بمائةِ ألفٍ (رواه أبو داود،
وابن حبان، والحاكم).
ولقد تزوجت سيدتنا أم سليم زوجها طلحة
وجعلت مهرها إسلامه، فما أعظمها وأكرم مهرها، فعَنْ أَنَسٍ قَالَ: "خَطَبَ
أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ فَقَالَتْ: وَاللهِ مَا مِثْلُكَ يَا أَبَا
طَلْحَةَ يُرَدُّ، وَلَكِنَّكَ رَجُلٌ كَافِرٌ، وَأَنَا امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ،
وَلَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَتَزَوَّجَكَ، فَإِنْ تُسْلِمْ فَذَاكَ مَهْرِي وَمَا
أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، فَأَسْلَمَ فَكَانَ ذَلِكَ مَهْرَهَا"، قَالَ ثَابِتٌ:
فَمَا سَمِعْتُ بِامْرَأَةٍ قَطُّ كَانَتْ أَكْرَمَ مَهْرًا مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ:
الْإِسْلَامَ، فَدَخَلَ بِهَا فَوَلَدَتْ لَهُ (رواه النسائي).
وتزوج عبد الرحمن بن عوف وهو من أغنى أغنياء
الصحابة على وزن نواة من ذهب، فلما جاء إلى النبي
(صلى الله عليه وسلمَ) قالَ لَهُ: "تَزَوَّجْتَ؟"، قالَ: نَعَمْ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ (صَلَّىَ
اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): "عَلَىَ كَمْ؟"، قالَ: عَلَىَ نَواةٍ مِنْ
ذَهَبٍ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ( صَلَّىَ اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) "أَوْلِم
ولَوْ بِشاةٍ".
وإليك هذا الصنيع العجيب من تابعي
جليلي؛ فعَنْ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ، قَالَ: كُنْتُ
أُجَالِسُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ فَفَقَدَنِي أَيَّامًا فَلَمَّا جِئْتُهُ
قَالَ: أَيْنَ كُنْتَ؟ قُلْتُ: تُوُفِّيَتْ أَهْلِي فَاشْتَغَلْتُ بِهَا، فَقَالَ:
أَلَا أَخْبَرْتَنَا فَشَهِدْنَاهَا؟ قَالَ: ثُمَّ أَرَدْتُ أَنْ أَقُومَ فَقَالَ:
هَلِ اسْتَحْدَثْتَ امْرَأَةً؟ فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَمِنْ
يُزَوِّجُنِي، وَمَا أَمْلِكُ إِلَّا دِرْهَمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً؟ فَقَالَ:
أَنَا، فَقُلْتُ: وَتَفْعَلُ؟ قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ تَحَمَّدَ وَصَلَّى عَلَى
النَّبِيِّ (صلى الله عليه وسلمَ) وَزَوَّجَنِي عَلَى دِرْهَمَيْنِ أَوْ
ثَلَاثَةٍ، قَالَ: فَقُمْتُ، وَمَا أَدْرِي مَا أَصْنَعُ مِنَ الْفَرَحِ، فَصِرْتُ
إِلَى مَنْزِلِي وَجَعَلْتُ أَتَفَكَّرُ مِمَّنْ آخُذُ وَمِمَّنْ أَسْتَدِينُ،
فَصَلَّيْتُ الْمَغْرِبَ وَانْصَرَفْتُ إِلَى مَنْزِلِي وَكُنْتُ وَحْدِي
صَائِمًا، فَقَدَّمْتُ عَشَائِي أُفْطِرُ، وَكَانَ خُبْزًا وَزَيْتًا، فَإِذَا
بَابِي يُقْرَعُ، فَقُلْتُ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: سَعِيدٌ، فَفَكَّرْتُ فِي كُلِّ
إِنْسَانٍ اسْمُهُ سَعِيدٌ إِلَّا سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُرَ
أَرْبَعِينَ سَنَةً إِلَّا بَيْنَ بَيْتِهِ وَالْمَسْجِدِ، فَقُمْتُ فَخَرَجْتُ
فَإِذَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ بَدَا لَهُ فَقُلْتُ:
يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أَلَا أَرْسَلْتَ إِلَيَّ فَأَتَيْتُكَ، قَالَ: لَا، أَنْتَ
أَحَقُّ أَنْ تُؤْتَى، قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا أَبَا مُحَمَّدٍ؟ قَالَ:
إِنَّكَ كُنْتَ رَجُلًا عَزَبًا فَتَزَوَّجْتَ، وَكَرِهْتُ أَنْ أُبَيِّتَكَ
اللَّيْلَةَ وَحْدَكَ، وَهَذِهِ امْرَأَتُكَ فَإِذَا هِيَ قَائِمَةٌ مِنْ خَلْفِهِ
فِي طُولِهِ ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهَا فَدَفَعَهَا فِي الْبَيْتِ وَرَدَّ الْبَابَ،
فَسَقَطَتِ الْمَرْأَةُ مِنَ الْحَيَاءِ فَاسْتَوْثَقْتُ مِنَ الْبَيْتِ ثُمَّ
تَقَدَّمْتُهَا إِلَى الْقَصْعَةِ الَّتِي فِيهَا الْخُبْزُ وَالزَّيْتُ فَوَضَعْتُهَا
فِي ظِلِّ السِّرَاجِ لِكَيْلَا تَرَاهُ ثُمَّ صَعَدْتُ إِلَى السَّطْحِ
فَرَمَيْتُ الْجِيرَانَ فَجَاءُونِي فَقَالُوا: مَا شَأْنُكَ؟ قُلْتُ: زَوَّجَنِي
سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ بِنْتَهُ الْيَوْمَ وَقَدْ جَاءَ بِهَا عَلَى غَفْلَةٍ،
فَقَالُوا: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ زَوَّجَكَ قُلْتُ: نَعَمْ، وَهَا هِيَ فِي
الدَّارِ، قَالَ: فَنَزَلُوا إِلَيْهَا وَبَلَغَ أُمِّي فَجَاءَتْ، فَقَالَتْ:
وَجْهِي فِي وَجْهِكَ حَرَامٌ إِنْ أَمْسَسْتَهَا قَبْلَ أَنْ أُصْلِحَهَا إِلَى
ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، قَالَ: فَأَقَمْتُ ثَلَاثًا ثُمَّ دَخَلْتُ فَإِذَا هِيَ
أَجْمَلُ النِّسَاءِ وَأَحْفَظُ النَّاسِ لِكِتَابِ اللَّهِ وَأَعْلَمُهُمْ
بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلمَ)، وَأَعْرَفُهُمْ بِحَقِّ
الزَّوْجِ.
هذه المواقف الطيبة الكريمة تدعونا إلى
التأمل في حكمة الشرع، الذي يهدف إلى بناء الأسر الصالحة، لا إلى التفاخر بالمظاهر
الزائلة.
إن المغالاة في تكاليف الزواج صورة من
صور التبذير والإسراف التي نهى عنها الشرع الحكيم؛ إذ يترتب عليها إهدار الأموال
في غير موضع الحاجة، وقد ذم الله تعالى الإسراف وحذر منه في كتابه الكريم. قال
تعالى: (وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأنعام: ١٤١)،
وقال سبحانه: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا
إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ (
الإسراء:٢٦-٢٧).
غير أن لهذه الظاهرة عواقب وخيمة، من أبرزها:
انتشار العنوسة: فكثير من الشباب
يتأخرون في الزواج أو يعزفون عنه بسبب عدم قدرتهم على تحمل هذه التكاليف الباهظة.
تضييق المباح وفتح أبواب الأخلاق
السيئة: فعندما يتعذر الزواج المشروع، قد يلجأ بعض ضعاف الإيمان إلى الوقوع في
الحرام
كثرة الديون والأعباء المالية: فالإسراف
والتكلف ينقص البركة، بخلاف التيسير الذي يجلبها؛ من جانب آخر: يبدأ الزوجان
حياتهما الزوجية وهما غارقان في الديون، مما يسبب لهما ضغوطاً نفسية ومادية كبيرة،
وقد يكون سبباً في المشكلات الزوجية والطلاق المبكر.
لا شك أن الحل لهذه الظاهرة يكمن في
العودة إلى هدي ديننا الحنيف، والاقتداء بسنة نبينا (صَلى الله عليه وسلم)، فقد
قال الله تعالى: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (الأحزاب:
21).
ربنا
هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما، واحفظ اللهم مصر من
كل مكروه وسوء
=== كتبه ===
محمد حســـــــن داود
إمام وخطيب ومدرس
دكتوراة في الفقه المقارن
لتحميــل الخطبة word رابط مباشر ----- اضغط هنا
لتحميــل الخطبة word رابط مباشر (نسخة أخرى) اضغط هنا
لتحميــل الخطبة word جوجل درايف ----- اضغط هنا
لتحميــل الخطبة word جوجل درايف (نسخة أخرى) اضغط هنا
لتحميــل الخطبة pdf جوجل درايف ----- اضغط هنا
