خطبة بعنـــــوان:
سعة رحمة الله باب الأمل وسبيل النجاة
للدكتور/ محمد حســـن داود
(٢9 شوال ١٤٤٧هـ - 17 أبريل 2026م)
العناصـــــــــــر :
- كتب ربكم على نفسه الرحمة.
- من عظيم رحمة الله (عز وجل).
- من رحمته سبحانه أن الابتلاء باب إلى
الحسنات والرفعة والدرجات.
- إن بعد العسر يسرا.
- لا تقنطوا من رحمة الله.
- الانتحار وعواقبه.
- رسالة لكل مهموم.
الموضــــــوع: الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي
أحاط بكل شيء علما، له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى،
نعمه لا تحصى، وآلاؤه ليس لها منتهى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وحبيبه، اللهم صل وسلم
وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد
فمن أسماء الله (سبحانه وتعالى)
"الرحمن"، و "الرحيم" ومن صفاته" الرحمة"، قال تعالى: (قُلْ لِمَنْ مَا فِي
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ
لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا
أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) (الأنعام: 12)، كتبها اللهُ (عز وجل على نَفْسه)، فهي منجاة الخائفين، ورجاء
المؤمنين، بشر الله بها المتقين، وطمأن بها التائبين، وجعلها شعارا للخلائق
أجمعين، فعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رضي الله عنه)، عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، قَالَ: "إنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتابًا قَبْلَ أنْ
يَخْلُقَ الخَلْقَ: إنَّ رَحْمَتي سَبَقَتْ غَضَبِي، فَهو مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فَوْقَ
العَرْشِ" (رواه البخاري).
ولقد تتابعت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية
على بيان سعة رحمة الله (عز وجل) قال تعالى: (فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (البقرة: 64)، وقال عز وجل: (وَرَحْمَتِي
وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ) (الأعراف: 156) وقال تعالى: (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ
رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ) ( الأنعام: 147) وعن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يَقُولُ:
"جَعَلَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً
وَتِسْعِينَ جُزْءًا وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا؛ فَمِنْ ذَلِكَ
الْجُزْءِ يَتَرَاحَمُ الْخَلْقُ حَتَّى تَرْفَعَ الْفَرَسُ حَافِرَهَا عَنْ
وَلَدِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ" (رواه البخاري)،وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ
(رضي الله عنه)، أَنَّهُ قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بِسَبْيٍ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ تَبْتَغِي إِذَا
وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ، فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا
وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ): "أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي
النَّارِ؟ " قُلْنَا لَا وَاللَّهِ
وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)" لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ
بِوَلَدِهَا" (رواه مسلم).
فمن عظيم رحمة الله عز وجل:
- سعة كرمه
وجوده وفضله، وكثرة نعمه ومننه، سبحانه شمل بخيره الناس أجمعين، وعم بجوده
العالمين: قال تعالى: (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ
اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) (النحل: 18) وقال سبحانه: (وَمَا بِكُم مِّن
نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) (النحل: 53).
- يريد بعباده
اليسر: قال تعالى: (لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا) (البقرة:
286)، وقال سبحانه: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ
الْعُسْرَ) (البقرة 185).
- أنه تكفّل
برزق عباده جميعا، ولم يَكِل أحدا إلى أحد، قال تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي
الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا
وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (هود: 6).
- أن سَخّر
لعباده ما في السماوات والأرض جميعًا منه، وذلك لقيام مصالح الحياة وانتظام
المعيشة، قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ
وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ
عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) (الحج:
65).
- أن العبد
إذا أراد السيئة، فتركها خوفا من الله وطمعا في رحمته كتبت له حسنة؛ فعَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ (رضي الله عنه) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ) قَالَ: "يَقُولُ اللَّهُ إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَلَ
سَيِّئَةً فَلَا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا، فَإِنْ عَمِلَهَا
فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ
حَسَنَةً، وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَلَمْ يَعْمَلْهَا
فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِعَشْرِ
أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ " (رواه البخاري)
- مغفرة
الذنوب وقبول التوبة؛ قال جل وعلا: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا
عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر: 53) وفي الحديث
القدسي: " يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ
خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لاَ تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا
مَغْفِرَةً " (رواه الترمذي).
- أنه يعطى الجزاء ويعظم الأجر إذا خلصت
النية حتى وإن لم يوفق صاحبها للعمل؛ فعن أَبِي مُوسَى
الْأَشْعَرِيِّ (رضي الله عنه) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلمَ):
"إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ له ما كان يعمل صحيحا مقيما
" (البخاري).
- ومن جميل رحمته (سبحانه وتعالى) أن جعل
الابتلاء بابا إلى الرفعة والحسنات والدرجات، فقد قال الحبيب النبي (صلى الله عليه
وسلمَ): "مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلاَ وَصَبٍ
وَلاَ هَمٍّ وَلاَ حَزَن وَلاَ أَذًى وَلاَ غمٍّ، حتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُها
إِلاَّ كفَّر اللَّه بهَا مِنْ خطَايَاه" (متفقٌ عَلَيهِ)؛ فالدنيا متغيرة الأحوال، لا تستقيم لأحد
على حال؛ ضيق وفرج، فرح وحزن، شغل وفراغ، فقر وغنى، عافية وبلاء، صحة ومرض، وفي كل
خير؛ كما قال النبي (صلى الله عليه وسلمَ): "عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ
أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ
أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ
صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ" (رواه مسلم)، والله (عز وجل) إذا احب قوما
ابتلاهم، كما أخبرنا سيدنا الحبيب النبي (صلى الله عليه وسلمَ)، فقال: "إِنَّ
عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا
ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ
السُّخْطُ" (رواه الترمذي).
وإن المتدبر لآيات القرآن الكريم وسنة
سيد المرسلين وقصص السابقين، ليجد جليا أن من رحمة الله (عز وجل) بنا أن الشدة لا
تدوم، بل يعقبها فرج ويسر، فرح وسرور، قال تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا
* إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) (الشرح: 5- 6)، ويقول سبحانه (سَيَجْعَلُ
اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ) (الطلاق: 7). ويقول سيدنا النبي (صَلى الله عليه
وسلم): "وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ
يُسْرًا"(رواه أحمد).
وَلَرُبَّ نازِلَةٍ يَضيقُ لَها
الفَتـــى *** ذَرعاً وَعِندَ اللَهِ مِنها المَخرَجُ
ضاقَت فَلَمّا اِستَحكَمَت حَلَقاتُها
*** فُرِجَت وَكُنتُ أَظُنُّها لا تُفـرَجُ
فيا من داهمته الأحزان، وبات وهو
سهران، وأصبح في أمره حيران، يا من أضناه الهم، وأبكاه الكرب، أنسيت من بيده الخير
والضر، وهو سبحانه القائل (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ
السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا
تَذَكَّرُونَ) (النمل 62)
فهذا يعقوب (عليه السلام) يفارقه أحب
أولاده إليه، ثم يتبعه ابنه الثاني بعد سنين، ثم تبيض عيناه من كثرة البكاء
لفقدهما، شدة بعد شدة، لكن الكرب لا يدوم، فكان الفرح أن جمعه الله بولديه ورد
إليه بصره، وهذا يونس (عليه السلام) من السفينة بين الناس، إلى بحر متلاطم الأمواج،
فالتقمه الحوت، فإذا هو في ظلمات ثلاث (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ
إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) (الأنبياء: 87) فكان
الفرح والسرور، إذ يقول الله تعالى (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ
الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) (الأنبياء 88) وهذا أيوب (عليه
السلام) يمكث في المرض سنين حتى اشتد كربه وعظم عسره، فكان اليسر من الله تعالى
متتابعا بعافية وأهل ومال؛ قال تعالى: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ
مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا
وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) (الأنبياء:84).
أما اليأس فهو أمر مذموم؛ آفة، إذا
تملكت من فرد أوهنت قوته وعزيمته وأذهبت همته، وكفى فيه قوله تعالى حكاية عن سيدنا
إبراهيم (عليه السلام): ( قال وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا
الضَّالُّونَ) (الحجر: 6)، وما جاء عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (رضي الله عنهما)، أَنَّ
رَجُلا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْكَبَائِرُ ؟ قَالَ : "الشِّرْكُ
بِاللَّهِ، وَالإِياسُ مِنْ رُوحِ اللَّهِ، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ
اللَّهِ". ولله در القائل:
إِنَّ الأُمُورَ إِذَا مَا اللهُ
يَسَّرَهَا *** أَتَتْكَ مِنْ حَيْثُ لا تَرْجُو وَتَحْتَسِبُ
وَكُلُّ مَا لَمْ يُقَدِّرْهُ الإِلَهُ فَمَا *** يُفِيدُ حِرْصُ الْفَتَى فِيهِ
وَلا النَّصَبُ
ثِقْ بِالإِلَهِ وَلا تَرْكَنْ إِلَى أَحَدٍ *** فَاللهُ أَكْرَمُ مَنْ يُرْجَى
وَيُرْتَقَبُ
الخطبة الثانية
إن من جميل رحمة الله (عز وجل) بعباده
أن جعل الدنيا دار ابتلاء، لا دار بقاء، تتقلب فيها الأحوال؛ ضيق وفرج، فرح وحزن،
صحة ومرض، غنى وفقر… فلا يدوم حال، ولا يستقر أمر، ولكن، ويا للعجب، إذا نزلت الابتلاءات
ببعض الناس، وضاقت عليهم أمورهم، استسلموا لليأس، وفتحوا على أنفسهم بابًا مظلمًا،،
باب الانتحار، والله (عز وجل) يقول: (وَلَا
تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (البقرة: 195)، ويقول: (وَلاَ
تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَن يَفْعَلْ
ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ
يَسِيرًا) (النساء 29-30)، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى
الله عليه وسلمَ):" مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي
يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا
فِيهَا أَبَدًا؛ وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي
نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا؛ وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ
فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا
فِيهَا أَبَدًا"( متفق عليه).
إن نفس الإنسان ليست ملكًا له، وإنما
هي وديعة، هي ملك لخالقها وموجدها (عز وجل)، أمانة عند الإنسان، سيسأل عنها يوم
القيامة، أحفظها، أم ضيعها؟ والانتحار
ليس علاجا للمشكلات، وليس حلا للمعضلات، وليس دواء لما يحل بنا من النكبات، بل هو جريمة
خطيرة عواقبها وخيمة فَفِي الصحيحين أَنَّ النبي (صَلَّى اللهُ عَلَيه وَسَلَّمَ)
قَالَ: " وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ
يَوْمَ القِيَامَةِ".
فيا أيها الأخ الحبيب: لا تضق ذرعا، فمن المحال دوام الحال،
وإن كان الله قد أخذ منك فقد أبقى، وإن منع فلطالما أعطى، وإن ابتلاك فكثيرا ما
عافاك، وإن أحزنك يوما فقد أفرحك أياما وأعواما، فالله أرحم الراحمين، رحمته أوسع
بنا، وعافيته أنفع لنا.
إن الذي ابتلاك، هو الذي بيده الفرج،
والذي أبكاك، قادر أن يفرح قلبك في لحظة! فيا من ضاقت بك الدنيا، يا
من أثقلتك الهموم، اسمعها من قلب يحب لك الخير: اعلم
جيدا أن ربك يسمعك، يعلم سرك ونجواك، يرى دمعتك قبل أن تنزل، ويعلم وجعك قبل أن
تتكلم، فلا تجعل لحظة ضعف سببا في تعاستك، ولا تجعل ألمًا عابرًا يسرق منك مستقبلك، كم ألم ظننت معه أنها نهاية السرور، ثم كانت هي بداية السرور لما فتح
الله من أبواب الخير، فلا تيأس ولا تعجز، فبعد الشدائد والمحن فرج قريب، وبعد
الجوع شبع، وبعد الظمأ ري، وبعد السهر نوم، وبعد المرض عافية، سوف يصل الغائب،
ويهتدي الضال، ويفك العاني، وينقشع الظلام (فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من
عنده ) (المائدة: 52).، وتذكر دائما قوله تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا
* إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ) (الشرح: 5- 6).
يا صاحبَ الهمِّ إنَّ الهمَّ
مُنْفَرِجٌ *** أَبْشِرْ بخيرٍ فــــــإنَّ الفارجَ اللهُ
اليـــأسُ
يَقْطَعُ أحيانًا بصاحِبِهِ *** لا تَيْئَسَنَّ فــــــــــإنَّ الكافيَ اللهُ
اللهُ
يُحْدِثُ بعـــدَ العُسرِ مَيْسَرَةً *** لا تَجْزَعَنَّ فـــــــإنَّ القاسمَ
اللهُ
إذا
بُلِيتَ فثقْ باللهِ، وارْضَ بهِ *** إنَّ الذي يَكْشِفُ البَلْوَى هو اللهُ
واللهِ
مَا لَـــكَ غيرُ اللهِ مِن أحدٍ *** فحَسْبُك اللهُ في كــــــــلٍّ لكَ اللهُ
فاللهم احفظنا بحفظك الجميل، وأصلح أحوالنا،
ولا تكِلنا إلى أنفسنا طرفة عين، وهيئ لنا من أمرنا رشدًا، واحفظ اللهم مصر من كل
مكروه وسوء.
=== كتبه ===
محمد حســـــــن داود
إمام وخطيب ومدرس
دكتوراة في الفقه المقارن
لتحميــل الخطبة word رابط مباشر ----- اضغط هنا
لتحميــل الخطبة word رابط مباشر (نسخة أخرى) اضغط هنا
لتحميــل الخطبة word جوجل درايف ----- اضغط هنا
لتحميــل الخطبة word جوجل درايف (نسخة أخرى) اضغط هنا
لتحميــل الخطبة pdf جوجل درايف ----- اضغط هنا
