recent
آخر المشاركات

خطبة بعنـــــــوان: فقه الهجرة إلى الله تعالى - للدكتـــــور/ محمد حســــن داود (2 محرم 1448هـ - 19 يونيو 2026م)

  خطبة بعنـــــــوان:

فقه الهجرة إلى الله تعالى
للدكتـــــور/ محمد حســــن داود

(2 محرم 1448هـ - 19 يونيو 2026م)



العناصــــــر:     
- معاني الهجرة ستبقى متجددة، وستظل دروسها خالدة.
- صور من معاني الهجرة إلى الله تعالى.
- دعوة إلى تحقيق معاني الهجرة إلى الله تعالى .
- (الخطبة الثانية) الغش في الامتحانات.

الموضــــــوع: الحمد لله رب العالمين، الحمد لله فاطر السبع الطباق، مقسم الأرزاق، الهادي لأحسن الأخلاق، مالك يوم التلاق، نحمده سبحانه على آلاء تملأ الآفاق، ونعم تطوق القلوب والأعناق، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا وقائدنا وقدوتنا محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله، وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد

فستظل السيرة النبوية منبعا عذبا وموردا صافيا ينهل منه المسلمون الدروس والعبر في كل زمان ومكان، وإن كانت الهجرة من مكة إلى المدينة قد انتهت بفتح مكة؛  لما ورد أن مُجَاشِعٌ جاء بِأَخِيهِ مُجَالِدِ بْنِ مَسْعُودٍ، إِلَى النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، فَقَالَ: هَذَا مُجَالِدٌ يُبَايِعُكَ عَلَى الهِجْرَةِ، فَقَال: "لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَلَكِنْ أُبَايِعُهُ عَلَى الإِسْلاَمِ" (رواه أحمد والنسائي) ولمَّا قيل لصفوان بن أمية وهو بأعلى مكة وذلك بعد الفتح: "إِنَّهُ لا دِينَ لِمَنْ لَمْ يُهَاجِرْ" قَالَ: "لا أَصِلُ إِلَى مَنْزِلِي حَتَّى أَجِيءَ الْمَدِينَةَ" فخرج إلى المدينة فنزل على العباس (رضي الله عنه)، فلما وصل إلى النبي (صلى الله عليه وسلمَ)، قال له: "مَا جَاءَ بِكَ أَبَا وَهْبٍ؟" قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لا دِينَ لِمَنْ لا يُهَاجِرْ، فَجِئْتُ مُهَاجِرًا فَقَالَ: "ارْجِعْ أَبَا وَهْبٍ إِلَى أَبَاطِحِ مَكَّةَ، فَقِرُّوا عَلَى سَكَنَتِكُمْ فَقَدْ انْقَطَعَتِ الْهِجْرَةُ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ".

إلا أن معاني الهجرة ستبقي متجددة، وستظل دروسها خالدة بقاء الدهر لأن الذي أذن بها ويسر السبل لها هو المولى (جل وعلا)؛ القائل في كتابه: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (يس: 82) والذي كان قائدا لهذا الحدث من نزل عليه قول المولى (جل وعلا): (وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) (المائدة: 67)، والذي قام بهذه الهجرة رجال ونساء امتدحهم القرآن وعظم أجورهم، ورفع درجاتهم؛ قال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة: 100).

فالهجرة من مكة إلى المدينة وإن كانت قد انتهت إلا أن مفهوم الهجرة بمعناها الأسمي، والأعم لا تنتهي؛ إلا أن فقه الهجرة لا ينتهي، فالهجرة بالمعنى الأسمي والأعم والتي نحتاج إليها في حاضرنا بل وفي كل وقت: هي هجرة المعاصي والذنوب، هجرة الخطايا والآثام، هجرة السلبية إلى الإيجابية، هجرة من الكسل إلى العمل، هجرة الأفكار المغلوطة، هجرة المنكرات إلى فعل الخيرات، هجرة من اللغو إلى الجد والهمة ،هجرة من الرذائل إلى الفضائل، هجرة من البعد إلى الصلة بالله سبحانه، هجرة من البخل إلى البذل والعطاء إذ يقول جل وعلا (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ) (الذاريات:50) ولعل هذا ظاهر جلي في الحوار الذي دار بين سيدنا جعفر بن أبى طالب (رضي الله عنه)، والنجاشي ملك الحبشة؛ فلقد كان على رأس من هاجر إلى الحبشة، الصحابي الجليل ؛ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ؛ وها هو يتحدث ويعدد ما جاء به الإسلام من صفات حميدة وخصال نبيلة وأخلاق طيبة كريمة هاجروا إليها، وهجروا غيرها من ذميم الأخلاق؛ إذ يقول: "أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، وَيَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، وَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْنَا رَسُولا مِنَّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنَ الْحِجَارَةِ وَالأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنِ الْفُحْشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ، وَأَمَرَنَا أَنَّ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَلا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ، قَالَ : فَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الإِسْلامِ فَصَدَّقْنَاهُ وَآمَنَّا بِهِ وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَعَبَدْنَا اللَّهَ وَحْدَهُ فَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَحَرَّمْنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا".

إذن فمن حقيقة الهجرة بمعناها الأسمي والأعم، ومن فقه الهجرة التي نحتاج إليها في عصرنا الحاضر بل وفي كل زمان:

- التوبة إلى الله جل وعلا، فعَنْ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم " لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا" (رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ) فمن فضل الله تعالى أنه يقبل التوبة عن عبادة ويعفو عن السيئات، قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ) (الشورى:25) يريد أن يتوب علينا، فعن أبي مُوسى عَبْدِ اللَّهِ بنِ قَيْسٍ الأَشْعَرِيِّ، رضِي الله عنه، عن النَّبِيَّ (صَلى الله عليه وسلم) قَالَ: إِن الله تَعَالَى يبْسُطُ يدهُ بِاللَّيْلِ ليتُوب مُسيءُ النَّهَارِ، وَيبْسُطُ يَدهُ بالنَّهَارِ ليَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مغْرِبِها"  (رواه مسلم) وها هو إمام التائبين وسيد المستغفرين صلى الله عليه وسلمَ يقول كما في صحيح مسلم "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تُوبُوا إِلَى اللَّهِ، فَإِنِّي أَتُوبُ فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّة" فإذا كان هذا حاله وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أفلا نتوب ونستغفر آناء الليل وأطراف النهار حتى نكون من أهل الفلاح، والله جل وعلا يقول: (‏‏وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (‏النور: 31‏).

- هجر الخطايا والذنوب على اختلاف صورها وألوانها، قولا كانت أو عملا؛  فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا)، عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، قَالَ: "الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ" (رواه البخاري) وفى رواية لغير البخاري: "الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ" وعَنْ أُمِّ أَنَسٍ (رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) أَنَّهَا قَالتْ: يَا رَسُولَ اللهِ أَوْصِنِي، قَالَ "اهْجُرِي المَعَاصِيَ فَإِنَّهَا أَفْضَلُ الْهِجْرَة " وعن فَضَالَة بْن عُبَيْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالْمُؤْمِنِ؟ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا وَالذَّنُوبَ "( رواه أحمد وابن حبان والحاكم وغيرهم) وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ: "أَنْ تَهْجُرَ مَا كَرِهَ رَبُّكَ" . ولك أن ترى الفرق جليا في آيات القران الكريم بين من هجر الذنوب والمعاصي واستجاب لله في طاعته، وبين من عصى وأعرض عن طاعته سبحانه، قال جل وعلا: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ) (النساء13-14) وقال سبحانه: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى  وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (طه: 123-124).

- هجرة الأخلاق الذميمة إلى الأخلاق الحميدة على اختلاف صورها؛ ولعل ذلك واضحا في قول سيدنا جعفر رضي الله عنه: "وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنِ الْفُحْشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ". فإن أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا كما قال النبي (صلى الله عليه وسلمَ)، وإن خيرية العبد لا تقاس بصلاته وصيامه فحسب، بل لا بد من النظر في أخلاقه وشيمه، فقد قال (صَلى الله عليه وسلم): "خياركم أحاسنكم أخلاقًا" (متفق عليه) وإذا سألت من أقرب الناس مجلسا من الرسول (صَلى الله عليه وسلم) يوم القيامة لوجدت أن أحسن الناس أخلاقا هم أقرب مجلسا إلى الرسول وأحب الناس إليه صلى الله عليه وسلم، فقد قال رسول الله (صَلى الله عليه وسلم): "إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا" (رواه الترمذي)

- ومما يظهر في قول النبي (صلى الله عليه َوسلم): "لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّة" (رواه البخاري) أن النية الخالصة الصادقة الصالحة باب من أبواب تحصيل الخير وخصلة من خصاله، ولقد قال الله سبحانه: (وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء) (البينة: 5) وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): "إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لكل امْرِئٍ مَا نَوَى؛ فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ؛ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ" (متفق عليه) ومن ثم فإن من معاني الهجرة التي ينبغي للإنسان تحقيقها: إخلاص النية لله وصدقها وصلاحها؛ فإن الإخلاص هو روح الطاعات، وجوهر العبادات، هو بمنزلة الأساس للبنيان، والروح للجسد، قال تعالى: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ) (الزمر: 11) هو شرط قبول الطاعات، والجزاء بالحسنات والرفعة في الدرجات، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ (رضي الله عنه)، أنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ: "تُعْرَضُ أَعْمَالُ بَنِي آدَمَ فِي صُحُفٍ مُخَتَّمَةٍ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: اقْبَلُوا هَذَا وَدَعُوا هَذَا، فَتَقُولُ الْمَلائِكَةُ: مَا عَلِمْنَا إِلَّا خَيْرًا، فَيَقُولُ اللَّهُ: هَذَا مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهِي، وَهَذَا مَا لَمْ يُرَدْ بِهِ وَجْهِي، وَلا أَقْبَلُ إِلَّا مَا أُرِيدَ بِه وَجْهِي "(رواه  الدارقطني).

إن من أعظم ما يظهر لنا من دروس الهجرة أن الثقة بالله تعالى وحسن الظن به، لا يفارق قلب المؤمن أبدا حتى في الشدائد والمحن؛ فعندما سكن النبي (صلى الله عليه وسلمَ) وصاحبه الغار، وجَدَّ المشركون في طلبهما، وتعقّبوا كل مكان يمكن أن يختبئا فيه، ووصلوا إلى باب الغار، اشتد الأمر على أبي بكر، فعاجله النبي (صلى الله عليه وسلمَ) بأن عناية الله تحوطهما، قال تعالى: (إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا) (التوبة:40)، وفي هذا يقول أبو بكر الصديق (رضي الله عنه): نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رُءُوسِنَا وَنَحْنُ فِي الْغَارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ: "يَا أَبَا بَكْرٍ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا" (رواه مسلم).

إن الهجرة إلى الله تعالى واجبة على الدوام، وقد قال سيدنا سهل التستري: "الهجرة فرض إلى يوم القيامة: من الجهل إلى العلم، ومن النسيان إلى الذكر، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن الإصرار إلى التوبة" (حلية الأولياء لأبي نعيم)، فحققوا الهجرة من كل ذميم إلى كل جميل، هاجروا من التفرّق إلى الوحدة، ومن الخصومة إلى المودة والألفة، ومن التقصير إلى الجد والاجتهاد، حققوا الهجرة إلى الله بقلوبكم وجوارحكم، فاهجروا المعاصي والآثام، وابتعدوا عن أسباب الغفلة والخسران، وأقبلوا على ربكم بالطاعة والإنابة، وعمِّروا أوقاتكم بذكره وشكره وحسن عبادته.

الخطبة الثانية

لقد جاء الإسلام بأصول راسخة، وقواعد متينة لحماية المجتمعات من الأخطار، وصيانة الأفراد من الأضرار، ومن تلك القواعد الحكيمة: تحريم الغش بكل صوره، وفي جميع مظاهره؛ حيث يسلب الثقة بين الناس، وينزع المحبة والألفة، ويهدم الصدق والتعاون؛ ويذهب بمعاني الأمانة، وقد قال الحبيب النبي (صلى الله عليه وسلمَ): "لاَ إِيمَانَ لِمَنْ لاَ أَمَانَةَ لَهُ، وَلاَ دِينَ لِمَنْ لاَ عَهْدَ لَهُ" (رواه أحمد).

وإن من أشد صور الغش: الغش في الامتحانات؛ فهو سلوك محرم، وعمل مذموم، يذهب ببركة العلم، يعطي نجاحا وتقدما لمن لا يستحق، ويحرم مجتهدا من ثمرة جهده، يضعف مستوى التعليم، ويفقد الشهادات مصداقيتها وقوتها، فينتج عن ذلك أناسا غير مؤهلين لتقدم ورقي وإبداع وابتكار، فيعجزون ولا ينتجون، ويتعثرون فلا يقومون، ويخطئون فيفسدون الأعمال والمهام أكثر مما يصلحون، ومن ثم فإن ضرر الغش في الامتحانات يقع على المجتمع كله.

إذن فلا يكمن ضرره بين طيات أوراق الامتحانات كما يظن البعض ويتوهم، بل يمتد ليصل إلى المجتمعات، إلى الأسر، إلى النفوس والسلوك أيضا؛ إذ يحبط روح الجد والاجتهاد، ويزرع في القلوب الوهن، وفي الجوارح الكسل، ويجعل النفوس ضعيفة متواكلة، لا تنهض بواجب ولا تتحمل مسئولية، يعود صاحبه على الكذب والتدليس، ويزين له الحقائق الزائفة، ويهون في نظره الخيانة والمكر، فمن تعود الغش في امتحاناته لم يأمن أن يغش في تجارته، أو معاملاته.

ولا يخفى على أحد أن التقدم والرقي لا يقومان إلا بسواعد الجد والعمل، بالهمة العالية، والعزيمة القويمة، لا بالغش، ولا بالتلاعب والمخادعة، لذلك ولغيره الكثير تجد التحذير النبوي صريحا واضحا لا خفاء فيه، حيث قال سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلمَ): "مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي" (رواه مسلم)، إنها كلمة حاسمة فاصلة، تُخرج الغش من دائرة الهزل والمرح كما يظن البعض ويتوهم، إلى دائرة الخطورة والعواقب الوخيمة في الدنيا والآخرة.

فاحذروا الغش فإنه يمحق بركة العلم، ويهدم القيم، واعلموا أن طريق الفلاح هو الصدق والاجتهاد، وأن من جد وجد، ومن زرع حصد، ومن سار على الدرب وصل، ومن اعتمد على الغش خان نفسه قبل أن يخون غيره. فيما يجب أن نعلم أن من يساعد الغاش فقد نال من الوزر مثله، والله (عز وجل) يقول: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: ٢).

فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واحفظ مصر من كل مكروه وسوء

=== كتبه ===
محمد حســــــن داود
إمام وخطيب ومـــدرس
دكتوراة في الفقه المقارن

لتحميــل الخطبة  word   رابط مباشر  -----      اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة  word   رابط مباشر (نسخة أخرى) اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة     pdf   رابط مباشر     -----      اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة  word   جوجل درايف    ----      اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة  word جوجل درايف (نسخة أخرى) اضغط هنا 

لتحميــل الخطبة  pdf    جوجل درايف      -----       اضغط هنا 


 

google-playkhamsatmostaqltradent